السيد كمال الحيدري

314

شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث)

الواضح : أنّ هذا التغيّر لا يتلاءم مع الثابت وهو الإرادة والعلم الإلهيّين . قال الميرداماد : « إنّ استناد المتغيّر بما هو متغيّر ، إلى الثابت الحقّ من كلّ وجه ، والتدريجيّ بما هو تدريجيّ إلى القارّ المحض من كلّ جهة ، ممّا لا يكاد يتصحّح أصلًا ، وبالجملة : المتعالي عن عالمي الزمان والمكان ، المتمجّد عن علائق المادّة وعوارض الطبيعة ، يمتنع أن يفعل شيئاً بعد شيء ، وأن يبدو له أمرٌ ، فلذلك ذهبت اليهود إلى أنّ الله تعالى قد فرغ من الأمر » « 1 » . وحاصل رأي الميرداماد في البداء ، هو : أنّ البداء مثل عمليّة النسخ في التشريع ، فكما أنّ الحكم المنسوخ لا يعني : أنّ الحكم رفع ، وإنّما ينسخ الحكم لأنّ وقته وأمده قد انتهى ، فيأتي حكم آخر ، وكذلك الأمر في البداء يعني : أنّ وقت الإفاضة انتهى على التقدير الأوّل ، فتأتي إفاضةٌ أخرى على التقدير الثاني . وبهذا يتّضح : أنّ النسخ في عالم التشريع ، والبداء نسخ لكنّه في عالم التكوين ، وبعبارة أخرى : إنّ عالم الدهر ثابتٌ لا يحدث فيه تغيّر وهو نظامٌ جامع لجميع الحوادث والحقائق ، لكن يحدث التغيّر في العالم المقيّد بقيود الزمان والمكان ، وهو العالم المادّي ، وهذا ما ذكره الميرداماد بقوله : « وأمّا بحسب الاصطلاح فالبداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع ، فما في الأمر التشريعيّ والأحكام التشريعيّة التكليفيّة والوضعيّة المتعلّقة بأفعال المكلّفين نسخ ، فهو في الأمر التكوينيّ والإفاضات التكوينيّة في المعلومات الكونيّة والمكوّنات الزمانيّة بداء ؛ فالنسخ كأنّه بداءٌ تشريعيّ ، والبداء كأنّه نسخٌ تكوينيّ ، ولابداء في القضاء ولا بالنسبة إلى جناب القدّوس الحقّ ،

--> ( 1 ) نبراس الضياء وتسواء السواء في شرح باب البداء وإثبات جدوى الدعاء : ص 57 .