السيد كمال الحيدري

279

شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث)

الشرح الأدلّة على الحدوث الذاتي عقد المصنّف هذا الفصل للبحث في الحدوث والقدم الذاتيّين ، فعرّف الحدوث الذاتي : بأنّه مسبوقيّة الشيء بالعدم المتقرّر في ذاته ، بمعنى : أنّ كلّ ممكن فهو من حيث ماهيّته لا يستحقّ الوجود . نعم ، يستحقّ الوجود بالنظر إلى علّته ، ولذلك قال الحكماء كلّ ما له ماهيّةٌ فهو حادثٌ ذاتاً ، واستدلّوا على الحدوث الذاتيّ بدليلين . الدليل الأوّل : إنّ العقل يعتبر : أنّ كلّ ماهيّةٍ في مرتبة ذاتها ، لا تستحقّ الوجود لذاتها ، لأنّ الماهيّة من حيث هي خاليةٌ من اقتضاء الوجود ، وكذلك لا تقتضي العدم ، لكن للماهيّة مرتبةٌ أخرى ، وهي حينما تكون موجودة في الخارج ففي هذه المرتبة تستحقّ الوجود من غيرها . وحينما يقارن العقل بين هاتين المرتبتين - مرتبة ذات الماهيّة ومرتبة كون الماهيّة موجودة - يقدّم مرتبة ذات الماهيّة على مرتبة تحقّق الماهيّة في الخارج وعروض الوجود عليها ، وسبب تقديم العقل لمرتبة ذات الماهيّة على مرتبتها في حالة وجودها في الخارج ؛ هو لأنّ وجود الماهيّة في الخارج إنّما يكون بالغير ، ومن الواضح : أنّ ما بالذات أسبق لما هو بالغير . والحاصل : أنّ الاستدلال مبنيٌّ على الإمكان الماهويّ ، وهو : أنّ الماهيّة تستحقّ العدم من ذاتها ، وتستحقّ الوجود من غيرها ، وما بالذات أسبق ممّا بالغير وبالعرض .