السيد كمال الحيدري
198
شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث)
ولو كان المراد من ابتناء هذا النوع على أصالة الماهيّة التي تعني منشئيّة الآثار مقابل أصالة الوجود ، فلا يوجد مثل هذا النوع من التقدّم والتأخّر ولا يكون قسماً مستقلّا مقابل أقسام التقدّم والتأخّر ، لأنّه على أصالة الماهيّة المقابلة لأصالة الوجود ، يكون تقدّم أجزاء الماهيّة - وهي الجنس والفصل - على الماهيّة ، من قبيل تقدّم المادّة والصورة على الجسم ، لأنّ الجنس والفصل في الخارج هو المادّة والصورة ، ومن الواضح : أنّ تقدّمٌ المادّة والصورة على الجسم هو تقدّم بالطبع ، لأنّ كلّا من المادّة والصورة علّةٌ ناقصةٌ للجسم ، فيكون تقدّم العلّة الناقصة على المعلول مقدّماً بالطبع . السابع : التقدّم في الدهر لبيان هذا القسم نقول : إنّ هذا القسم من التقدّم يختلف عن التقدّم بالعلّيّة ، فالتقدّم في العلّية هو تقدّم العلّة التامّة على معلولها ، من حيث إيجاب العلّة التامّة لوجود المعلول ، أمّا التقدّم بالدهر فهو تقدّم العلّة التامّة على معلولها ، من حيث انفكاك مرتبة وجود العلّة عن مرتبة وجود المعلول ، وأنّ أحدهما غير الآخر ، لأنّ المعلول ينفكّ عن علّته التامّة ، لأنّ المعلول صار معلولًا لمحدوديّته ولفقره ولنقصه عن علّته التامّة ، وعلى هذا فالمعلول من حيث إنّه محدودٌ وفقيرٌ وناقص ، غير موجودٍ في رتبة علّته ، من قبيل تقدّم نشأة التجرّد العقليّ على نشأة المادّة ، بمعنى تقرّر عدم المعلول - عالم المادّة - في مرتبة وجود علّته وهي عالم التجرّد العقليّ ، فتقدّم عالم التجرّد على عالم المادّة - وإن كان عالم التجرّد علّة لعالم المادّة - لكنّه يتقدّم على عالم المادّة بالدهر ، بمعنى : أنّ وعاء عالم التجرّد منفكّ عن عالم المادّة . بعبارة أخرى : إنّ عالم العقل « 1 » « كما أنّه يتقدّم على عالم المادّة من جهة كون
--> ( 1 ) سيأتي في المرحلة الثانية عشرة : أنّ العوالم الكلّيّة ثلاثة ، وهي عالم العقل وعالم المثال وعالم المادّة ، وأنّ عالم العقل علّة لعالم المثال وعالم المثال علّة لعالم المادّة ، وعلى هذا الأساس فإنّ عالم المادّة يكون أخسّ وجوداً من عالم العقل لكون عالم المادّة معلولًا لعالم المثال ، المعلول لعالم العقل ، ومن الواضح : أنّ المعلول أخسّ وجوداً من العلّة ، فليست نشأة المادّة من حيث مراتب الكمال الوجوديّة في مرتبة عالم التجرّد ، بل مرتبة عالم المادّة متأخّرةٌ عن مرتبة عالم العقل .