السيد كمال الحيدري
84
شرح كتاب المنطق
الشرح [ مما تقدّم نستطيع أن نعرف أنّ من وظائف الخطابة الدفاع عن الرأي ] أي من وظيفة الخطيب الدفاع عن الرأي الذي يعتقد به بإقناع الآخرين [ وتنوير الرأي العامّ في أيّ أمر من الأمور ، والحضّ على الاقتناع بمبدأ من المبادئ ، والتحريض على اكتساب الفضائل والكمالات واجتناب الرذائل والسيّئات ، وإثارة شعور العامّة وإيقاظ الوجدان والضمير فيهم . وبالاختصار وظيفتها إعداد النفوس لتقبل ما يريد الخطيب أن تقتنع به ] فإنّك إذا أردت أن تزرع أرضاً لابدّ من تهيئتها وحرثها ، إذ لو وضعت فيها بذراً من غير أن تقلّب تربتها وتحرثها ، لا تعطيك الثمر حتّى وإن سقيتها . والخطيب كذلك عليه أن يهيّئ الأرضية الصالحة لتكون خطابته مثمرة . ومن هنا ورد في علم الأخلاق قولهم : التخلية عين التحلية فلابدّ أوّلًا من أن نخلي القلب من الصفات الرذيلة حتّى يتهيّأ للتحلّي بالصفات الحميدة . إنّ الإناء إذا كان ممتلئاً بمائع معيّن لا يمكنك أن تملأه بمايع آخر ، وإنّما تستطيع ذلك إذا أفرغته ونظّفته ممّا فيه ، وإلا تلوّث المائع الجديد بآثار المائع السابق . وقد أكد القرآن الكريم : أنّا إذا أردنا إيماناً وعقيدة صحيحة ومعرفة حقيقية ، علينا أن ننظف قلوبنا أوّلًا ؛ قال تعالى : كَلَا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبهمْ مَا كَانُوا يَكْسبُونَ ( « 1 » ) فإنّ الرين يؤدّي إلى صدأ القلوب ، ومع الصدأ - حتّى وإن توجّه إلى الله وانعكست فيه الأنوار - لا يمكن أن يشعر بأنوار الهداية . وبالجملة على الخطيب أن يهيئ الجمهور لتكون خطابته مؤثّرة فيهم . [ وبهذا تعرف أنّ فائدة الخطابة فائدة كبيرة ، بل هي ضرورة اجتماعية في حياة الناس العامّة .
--> ( 1 ) المطففين : 14 . .