السيد كمال الحيدري
56
شرح كتاب المنطق
إنّ ( المجيب ) - كما قدّمنا - مدافع عن مهاجمة خصمه ( السائل ) . والمدافع - غالباً - أضعف كفاحاً من المهاجم وأقرب إلى المغلوبية ] . ومن هنا قيل : إنّ الهجوم أفضل وسيلة للدفاع ، فإذا أراد الإنسان أن يدافع عن نفسه فالهجوم أفضل وسيلة للدفاع ، وإلا لكان مغلوباً في الأعمّ الأغلب فوالله ما غُزي قوم في عقر دارهم إلّا ذلّوا ( « 1 » ) . [ لأنّ المبادأة بيد المهاجم ، فهو يستطيع أن ينظّم هجومه بالأسئلة كيف يشاء ، ويترك منها ما يشاء . والمجيب على الأكثر مقهور على مماشاة السائل في المحاورة ] فيمكن أن يأتي السائل بمقدّمات يعرف مداخلها ومواضعها وإشكالاتها ونقوضها ، ومن باب الصدفة يكون المجيب ضعيفاً أو غير ملتفت إلى ما رتّبه السائل من تلك المقدّمات ، كمن يذهب إلى العالِم ويكون قد حضّر مجموعة من الأسئلة ورتّبها ، وسأله بها فأجابه عن بعضها ، فيظنّ السائل أنّه أعلم من المسؤول ، مع أنّه ليس بالضرورة أن يكون كذلك ، إذ قد يكون من باب الاتّفاق والصدفة أنّ المسائل التي لم يجبه عنها لم تكن حاضرة في ذهنه ، فلو فُسح المجالُ للعالم بتوجيه أسئلة إلى السائل فربما يسأله من باب لا يتمكّن المجيب من الإجابة على سؤال واحد . إذن لا يتبادر إلى الذهن أنّ السائل أعلم من المجيب دائماً ، فهو يبدأ هجومه من المسائل التي يعرفها ، والمدافع غافل بالصدفة والاتّفاق عن بعض مواردها . [ وعلى هذا ، فمهمة المجيب أشقّ وأدقّ ، واللازم له عدّة طرق مترتّبة يسلكها بالتدريج أوّلًا فأوّلًا ، فإن لم يسلك الأوّل أخذ بالثاني وهكذا . وهي حسب الترتيب التالي ] فلابدّ أن يرّتبها المجيب على وفقها : [ أوّلًا : أن يحاول الالتفاف على السائل ] بأن يتحوّل من حالة الدفاع إلى
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، شرح الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ، نشر مكتب الإعلام الإسلامي ، الطبعة الأولى ، 1411 ه - : ص 121 ، من خطبة له في الحثّ على الجهاد وذمّ القاعدين . .