السيد كمال الحيدري

38

شرح كتاب المنطق

ماله وحاتماً يجود بكلّ ما يملك ، ومع الاتّفاق أيضاً على أنّ ما جاد به معن أكثر بكثير في تقدير المال ممّا جاد به حاتم ] أي لو أخذنا النسبة لوجدنا أنّ كرم حاتم أشدّ ، ولو أخذنا العدد لوجدنا أنّ كرم معن أكثر . مثلًا لو كان ما يملكه معن مليون دينار وما يملكه حاتم مائة ألف دينار ، والزائد على ما يحتاجه معن خمسمائة ألف دينار ، فهو ينفق خمسمائة ألف ، ولكنّ حاتماً ينفق كلّ ما يملك وهو المائة ألف ، ومن الواضح أنّ معناً قد أنفق أكثر ، ولكن لو لاحظنا النسبة نجد أنّ حاتماً أنفق أكثر منه ، لأنّه أنفق جميع ما يملك ، ومعن أنفق نصف ما يملك . وهنا يقع النزاع في أيّ منهما أولى بالاتّصاف بالكرم ، وأنّ ميزان الكرم هل هو إنفاق كلّ ما يملك ؟ أو أنّه الإنفاق بالقسط ، أي إنفاق ما زاد عن حاجته ؟ فإذا قلنا إنّ ميزان الكرم هو الوسط على طبق النظرية الأرسطية ، فمعن يتّصف بالكرم ، لأنّه على الجادة الوسطى بلا إفراط ولا تفريط ، وإذا نظرنا إلى الصفات الأخلاقية بمنظار آخر لا على طبق المنظار الأرسطي ، فيتّصف حاتم بالكرم . [ وحينئذ يكون النزاع في العبرة في الأفضلية بالكرم ، هل هو بمقدار العطاء ، فيكون معن أفضل من حاتم ، أو بما يتحقق به معنى الإيثار فيكون حاتم أفضل . ويمكن أن يتمسّك القائل الأوّل بموضع ] أي بقاعدة مشهورة [ في هذا الباب ، وهو أنّ ما يفيد خيراً أكثر فهو آثر وأولى بالفضل ، فيكون معن أفضل . ويمكن أن يتمسّك القائل الثاني بموضع آخر فيه ، وهو أنّ ما ينبعث من تضحية أكثر بالحاجة والنفس فهو آثر وأولى بالفضل ، فيكون حاتم أفضل . فهذان موضعان من هذا الباب يمكن أن يستدلّ بهما الخصمان المتجادلان . هذا أقصى ما أمكن بيانه من المواضع . وعليك بالمطوّلات في استقصائها إن أردت ، ومن الله تعالى التوفيق ] .