السيد كمال الحيدري
105
شرح كتاب المنطق
مثلهما في الضخامة . والإنسان الضخم مقدّمات الشجاعة مهيّأة له ، بخلاف من كان طوله متراً ونصف ووزنه ثلاثون كيلو غراماً ، فإنّه وإن كان له قدرة على الإقدام لكن المقدّمات ليست مهيّأة له . إذن الشرائط المادّية لها مدخل في الأمور المعنوية . إذن حتى لو افترضنا أنّ القدرة على الخطابة لا تورّث ، لكنّ الظروف التي تحيط بالإنسان قد تهيّئه لأن يكون خطيباً . وهكذا القمم العلمية ، أودعها الله سبحانه وتعالى إمكانات وذكاء وقّاداً وقدرات علمية هائلة ، أهّلها لأن تكون كذلك . فلو فرضنا أن شخصاً لم تهيّأ له ما تهيأ لتلك القمم ، فإنّه قد يصل إلى ذلك المقام العالي ويكون له ذلك النبوغ الفكري ، ولكنّ هذا النبوغ يفتقر إلى الإخراج من القوّة إلى الفعلية ، وهذا يحتاج إلى توفّر مجموعة من الشرائط وهي ليست كسبية ، فإنّ كون الإنسان ابن فلان وامُّه فلانة وولد في البيئة الفلانية ليس باختياره لكنّها أيضاً مرتبطة باختيار الآخرين وليست ذاتية أودعها الله في شخص دون شخص آخر ، كما يتوهّم البعض من أنّ مثل هذه الأمور إذا كانت موهبة إلهية فمعناه أنّ الله وهبها لفلان من الناس ولم يهبها لشخص آخر ؛ فإنّ الأمر ليس كذلك ، بل هناك مجموعة شرائط إن توفّرت هيّأت الشخص ، وهذه الشرائط أمور اختيارية تابعة لاختيار الأبوين فصاعداً . [ غير أنّها تقوى وتنمو بالتمرين والتعلّم ، كجميع المواهب الشخصية . وليس هناك قواعد عامّة مدوّنة يمكن بها ضبط تغييرات الصوت ونبراته حسب الحاجة ، وإنّما معرفة ذلك تتبع نباهة الخطيب في اختياره للتغيّرات الصوتية المناسبة ، التي يجدها بالتجربة والتمرين مؤثّرة في المستمعين . ولأجل هذا يظهر لنا كيف يفشل بعض الخطباء ، لأنّه يحاول المسكين تقليد خطيب ناجح في لهجته وإلقائه ، فيبدو نابياً سخيفاً ، إذ يظهر بمظهر المتصنّع الفاشل ] لأنّه يكون ممثّلًا ، والممثّل مهما حاول التصنّع يبقى ممثلًا [ والسرّ أنّ هذا أمر يدرَك بالغريزة والتجربة قبل أن يدرَك بالتقليد للغير ] .