الشيخ الأميني
50
الغدير
طيب السريرة خاليا من الكيد والمراوغة والدسيسة وما شابه هذه الخلائق من أدوات العيش في مثل عصره ، فكان مستغرقا في فنه يحسب أن الشعر والعلم والثقافة وحدها كفيلة بنجاحه وارتقائه إلى مراتب الوزارة والرئاسة ، لأنه كان في زمن يتولى فيه الوزارة الكتاب والرواة ويجمعون في مناصبهم ألوف الألوف ويحظون بالزلفى عند الأمراء والخلفاء ، وقد كان هو شاعرا كاتبا ، وكان خطيبا واسع الرواية مشاركا في المنطق والفلك واللغة ، وكل ما تدور عليه ثقافة زمان ، أو كما قال المسعودي : كان الشعر أقل أدواته . . وكان الشعر وحده كافيا لجمع المال وبلوغ الآمال ، فماذا بعد أن يعرف الناس إنه شاعر وإنه كاتب وإنه راوية مطلع على الفلسفة والنجوم ؟ ! إلا أن تجيه الوزارة ساعية إليه تخطب وده ، كما جاءت إلى أناس كثيرين لا يعلمون علمه ، ولا يبلغون في البلاغة مكانه ، ألم يصل ابن الزيات إلى الوزارة بكلمة واحدة فسرها للمعتصم وفصل له تفسيرها وهي كلمة ( الكلاء ) التي يعرفها عامة الأدباء ؟ ! بلى ، وابن الرومي كان يعرف من غرايب اللغة ما لم يكن يعرفه شعراء عصره ولا أدباؤه ، فما أولاه إذن بالوزارة ؟ وما أظلم الدنيا ؟ إذ هي ضنت عليه بحقه من المناصب والثراء . فإذا لم تكن الوزارة فهل أقل من الكتابة أو العمالة لبعض الوزراء والكتاب المبرزين ؟ ! فإذا لم يكن هذا ولا ذاك فهل غبن أصعب على النفس من هذا الغبن ؟ ! وهل تقصير من الزمان ألام من هذا التقصير ؟ ! ونبوءة أبيه ورجاؤه في مستقبله وقوله : ( أنت للشرف ) أيذهب هذا كله هباء لا يقبض منه اليدين على شئ ؟ ! تلك النبوءات التي تنطبع على أفئدة الصغار بمثل النار ، ولا تزال غرارة الطفولة وأحلام الصبا تزخرفها وتوشيها وتعمق في الضمير أغوارها ، أيأتي الشباب وهي محو لغو مطموس لا يبين أولا يبين منه إلا ما ينقلب إلى الأضداد وتترجمه الأيام بالسقم والفقر والكساد ؟ ! وكيف يمحى ؟ ! إلا وقد محى القلب الذي طبعت فيه ، وكيف ينعكس معناه ؟ ! إلا وقد انعكس في القلب كل قائم والتوى فيه كل قويم ، ذلك صعب على النفوس وليس بالسهل إلا على من يلهو به وهو بعيد . وهكذا كان ابن الرومي يسأل نفسه مرة بعد مرة ويوما بعد يوم : مالي أسل من القراب وأغمد ؟ ! * لم لا أجرد ؟ ! والسيوف تجرد