السيد كمال الحيدري

97

شرح كتاب المنطق

الشرح قبل الدخول في بيان أصول القسمة ، نقول : للذهن البشري قوانين كثيرة ، وبيّنّا ذلك في أبحاث سابقة ، ومن هذه القوانين : أنّه إذا ارتبط شيء بشيء آخر لدى إنسان بأيّ نحو من أنحاء الارتباط ، فإنّه ينتقل ذهنه عند تصوّر أحدهما أو تذكّره إلى تصوّر الآخر . وأحدُ مصاديق هذا القانون التكويني الذي زوّد الله به الذهنَ البشريَّ الارتباطُ بين المعنى واللفظ ، ومن تلك القوانين المهمّة أيضاً : أنّ الإنسان لا يستطيع أن يفهم الأشياء إلّا إذا كانت متناهية ، وذلك لأنّ ذهن الإنسان متناهٍ محدود ، والمحدود لا يستطيع أن يفهم اللا متناهي أو غير المحدود ، وإلّا لزم أن يحيط المتناهي باللا متناهي وهو محال . ولا يستطيع أن يفهم الأشياء المتناهية إلّا إذا قسّمها وجزّأها ، وللتوضيح نضرب مثالًا ، وهو : لو قُدِّم طعام بوزن كيلو غرام لشخص ، فإنّه لا يستطيع أن يأكله بلقمة واحدة ، بل عليه أن يقسّمه إلى لقمة لقمة ثمّ بعد أن يفرغ من الأولى يأكل الثانية وهكذا . . . ليسهل عليه تناوله ، مع أنّ الطعام متناهٍ . فالذهن البشري لا يستطيع أن يفهم الحقائق الخارجية على ما هي عليه من دون أن يجزّئها ويقطّعها إلى أجزاء وقطع ، وهذا أمر مرتبط بتكوينه النفسي ؛ وذلك لأنّه يبدأ موجوداً مادّياً ، لا مجرّداً ، وإذا كان كذلك فلابدّ أن يقطّع الحقائق الخارجية بمشرحة الذهن حتّى يفهمها ، مع أنّ البراهين النقلية والعقلية دلّت على أنّ الحقائق الخارجية أو عالم الإمكان كلّه أمر واحد وليس أشياء متكثّرة ، إلّا أنّ الإنسان لكي يفهم هذه الحقائق لابدّ أن يقسّمها إلى موجودات أرضية وأخرى سماوية ، ويقسّم الموجودات السماوية إلى كواكب وأقمار وأفلاك ومجرّات . . . ويقسّم الأرضية إلى جبال وأنهار وبحار وسهول وهضاب وصحارى وحيوانات . . . إذن التقسيم أحد قوانين الذهن البشري لكي يستطيع أن يفهم الحقائق .