السيد كمال الحيدري
31
شرح كتاب المنطق
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على الخلط وعدم التمييز بين القضايا الفلسفية والقضايا المرتبطة بعلوم أخرى . ولهذا على من يريد أن يكون محقّقاً أنْ يلتفت إلى حدود العلوم الطبيعية التجريبية وحدود علم الفلسفة ، لكي يتمكّن من استعمال الأداة الفلسفية في حدّ الفلسفة ، وأداة العلم في حدّ العلوم الطبيعية التجريبية ، لأنّ أداة كلّ علم لا تغني عن أداة العلم الآخر ، ولا يمكن أن تكون مكان الأداة الأخرى . هذا وقد رأى جملة من المفكرين الغربيين : أنّ سبب احتياجنا إلى الفلسفة هو أنّ الأسباب الطبيعية كانت مجهولة لدى البشر ، فما كانوا يعرفون أسباب تكوّن المطر وأسباب نزوله من السماء ، فكانوا ينسبون ذلك إلى الملائكة أو إلى الجن أو إلى أسباب غيبية مجهولة ، ولكن حين اكتشف العلماء كيفية تشكّل الغيوم وكيفية حركة الأفلاك وقوانين الطبيعة ، لم يروا داعياً للفلسفة ! وهذا إنّما يدلّ على أنّهم لم يعرفوا حدّ العلم ولم يعرفوا حدّ الفلسفة . وممّا لا شكّ فيه أنّ هؤلاء الذين نتكلّم عنهم هم من المفكرين الذين يدّعون أنّهم أصحاب مشاريع فكرية ضخمة في العالم ، بل ومنهم من لهم مشاريع في العالم العربي والإسلامي أمثال « كوبر » و « كارناب » و « موريس » . ويبدو أنّ السبب وراء قولهم بعدم الحاجة إلى الفلسفة ، هو أنّهم لما راجعوا كتبنا الفلسفية رأوا الكثير من الإشكالات الواردة في قسم الطبيعيات ، وبما أنّهم اكتشفوا عدم الربط بين الطبيعيات والفلسفة وأنّ البراهين الفلسفية على ذلك ليست بصحيحة ، تصوّروا أنّ الفلسفة كلّها خطأ ولابدّ من القضاء عليها وسدّ بابها ، ويكون العلم بديلًا لها ، ولكنّ الأمر ليس كما تصوّروا ؛ فإنّ العلم لا يغني عن الفلسفة ، ولا الفلسفة تغني عن العلم ، ولو فرض أنّنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه من العلم فهل نغلق باب الفلسفة ؟ أو وصلنا إلى ما وصلنا إليه في الفلسفة هل نغلق باب العلم والصناعة والتكنلوجيا والعلم التجريبي ؟ قطعاً لا .