السيد كمال الحيدري

95

شرح كتاب المنطق

توضيح في الضروري [ قلنا : إنَّ العلمَ الضروري هو الذي لا يحتاج إلى الفكر وإنعام النظر ، وأشرنا إلى أنّه لابدّ من توجّه النفس بأحد أسباب التوجّه ، وهذا ما يحتاج إلى بعض البيان : فإنّ الشيء قد يكون بديهياً ولكن يجهله الإنسان ] . توضيحه : لما يقال : الشيء الفلاني بديهيّ لدى الإنسان وأنّ نفسه مفطورة على البديهي ، فلا يعني أنّنا خُلِقْنا والبديهيات موجودة معنا ، وإنما خُلِقْنا ونحن لا نعلم شيئاً سواء كان بديهياً أم غير بديهي ، كما دلّ عليه قوله تعالى : « وَاللّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمونَ شَيْئَاً » « 1 » سوى الاستعداد لتحصيل المعلومات ، فنحن نعلم بالقوّة ، ونحتاج إلى الحواسّ لإخراج ما هو موجود بالقوّة إلى موجود بالفعل . ولما كانت العقول متفاوتة في إدراكاتها ، كانت المعلومات متفاوتة أيضاً . ولهذا قد يكون الشيء معلوماً بالبداهة عند بعض الأشخاص ، وبعضها لا يكون كذلك عند بعضهم ؛ وما ذلك إلا [ لفقد سبب توجّه النفس ، فلا يجب أن يكون الإنسان عالماً بجميع البديهيات ] . وهذه نقطة مهمّة وقع في الاشتباه فيها جماعة من الفلاسفة والمناطقة الغربيين ، حيث تصوّروا أنّ الأمور البديهية موجودة مع الإنسان منذ ولادته ، وقد عرفتَ خلافه ، وأنّا لا نقول بوجودها في النفس بل إنّ النفس إذا توجّهتْ إليها وتصوّرت الموضوع والمحمول وتصوّرت النسبة بينهما تذعن وتحكم بصحّة النسبة [ ولا يضرّ ذلك ببداهة البديهي . ويمكن حصر أسباب التوجّه في الأمور التالية : 1 . « الانتباه » ، وهذا السبب مطّرد في جميع البديهيات ، فالغافل قد يخفى عليه أوضح الواضحات ] فإنّه قد لا يرى الشمس وهي طالعة ، ويخفى

--> ( 1 ) النحل : 78 .