السيد كمال الحيدري
91
شرح كتاب المنطق
بعبارة أخرى : التصوّري إما أن يكون حاصلًا للذهن أو لا ، والأوّل يصيّره معلوماً لا يحتاج إلى تحصيل ، والآخر يصيّره مجهولًا لا يمكن التوجّه إليه وطلبه . وعلى هذا ، فتقسيم التصوّر إلى البديهي والنظري ليس بصحيح . والجواب يتّضح بعد بيان الفرق بين التصوّر البديهي والتصوّر النظري على ما ذكره العلامّة المطهري ( قدّس سرّه ) « 1 » ، وهو : إنّ التصوّر البديهي لا أجزاء له ينحلّ إليها ، بخلاف التصوّر النظري ، فإنّ له أجزاء ينحلّ إليها . وللتوضيح نضرب مثلًا : بعض الأمور التكوينية والموجودات الخارجية تنحلّ إلى أجزائها المقوّمة لها ، كالماء فإنّه ينحلّ إلى عنصرين أساسيين وهما ( الأوكسجين والهيدروجين ) وهذان العنصران لا ينحلّان إلى أجزاء أبسط منهما ، وبعض الموجودات الخارجية يمكن انحلالها إلى أجزاء أبسط منها ، والمفاهيم الذهنية هكذا شأنها ، فقسم منها غير قابل للتحليل إلى أجزاء أبسط منها كالجوهر فهو الجنس الذي ليس فوقه جنس ، وقسم منها قابل للتحليل إلى أجزاء حتى يصل إلى جزء غير قابل للتحليل إلى جزء أبسط منه ، مثل مفهوم الإنسان الذي ينحلّ إلى الحيوان والناطق ، ثم الحيوان إلى الحسّاس والمتحرّك بالإرادة ، والجسم النامي ، والجسم المطلق ، حتى ينتهي التحليل إلى الجوهر وهو جنس الأجناس العالي الذي ليس فوقه جنس ، ولذا يقال : إنّ حقيقة الإنسان معلومة بالإجمال من جهة ، ومجهولة بالتفصيل من جهة أخرى ، أي تصوّر الإنسان من حيث معناه بديهيّ ، ومن حيث انحلاله إلى أجناسه القريبة والمتوسّطة والبعيدة نظريّ ، ومن هنا نشأ الخلط والاشتباه ، فإنّنا لا ندعي : أنّ المفهوم المجهول من جميع الجهات يمكن تصوّره ، بل المفهوم المتصوّر هو ما كان له جهة معلومة وجهة مجهولة من ناحية العناصر المقوّمة له .
--> ( 1 ) شرح المنظومة ، تأليف الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري ، ترجمة : عبد الجبار الرفاعي ، مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة ، الطبعة الأولى ، 1413 ه - : ج 1 ، ص 38 .