السيد كمال الحيدري

59

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي)

ولا شكّ في أنّ القدرةَ شرطٌ في مرحلةِ الإدانةِ ؛ لأنّ الفعلَ إذا لم يكنْ مقدوراً فلا يدخلُ في حقِّ الطاعةِ للمولى عقلًا ، كما أنّ مرتبتيْ الملاكِ والشوقِ غيرُ آبيتينِ عن دخالةِ القدرةِ كشرطٍ فيهما ؛ بحيثُ لا ملاكَ في الفعلِ ولا شوقَ إلى صدورِهِ من العاجزِ ، وعن عدمِ دخالتِها كذلكَ ، بحيثُ يكونُ الفعلُ واجداً للمصلحةِ ، ومحطّاً للشوقِ حتّى من العاجزِ ، وقد تسمّى القدرةُ في الحالةِ الأولى بالقدرةِ الشرعيّةِ ، وفي الحالةِ الثانيةِ بالقدرةِ العقليّةِ . وأمّا في مرتبةِ جعلِ الحكمِ ، فإذا لوحظتْ هذه المرتبةُ بصورةٍ مجرّدةٍ ، لم نجدْ مانعاً عقليّاً عن شمولِها للعاجزِ ؛ لأنّها اعتبارٌ للوجوبِ ، والاعتبارُ سهلُ المؤونةِ ، وقد يوجّهُ إلى المكلّفِ على الإطلاقِ لإبرازِ أنّ المبادئَ ثابتةٌ في حقِّ الجميعِ ، ولكن قد نفترضُ جعلَ الحكمِ بداعي البعثِ والتحريكِ المولويّ . ومنَ الواضحِ هنا : أنّ التحريكَ المولويَّ إنّما هو بسببِ الإدانةِ وحكمِ العقلِ بالمسؤوليّةِ . ومعَ العجزِ لا إدانةَ ولا مسؤوليّةَ كما تقدّم ، فيستحيلُ التحريكُ المولويّ ، وبهذا يمتنعُ جعلُ الحكمِ بداعي التحريكِ المولويّ . وحيثُ إنّ مفادَ الدليلِ عرفاً هو جعلُ الحكمِ بهذا الداعي ، فيختصُّ لا محالةَ بالقادرِ ، وتكونُ القدرةُ شرطاًفي الحكمِ المجعولِ بهذا الداعي ، والقدرةُ إنّما تتحققُ في موردٍ يكونُ الفعلُ فيهِ تحتَ اختيارِ المكلّفِ ، فإذا كانَ خارجاً عن اختيارِهِ فلا يُمكنُ التكليفُ بهِ لا إيجاباً ولا تحريماً ، سواءً كانَ ضروريَّ الوقوعِ تكويناً ، أو ضروريَّ التركِ كذلكَ ، أو كان ممّا قد يقعُ ، وقد لا يقعْ ، ولكن بدونِ دخالةٍ لاختيارِ المكلّفِ في ذلك ، كنبعِ الماءِ في جوفِ الأرضِ ، فإنّه في كلّ ذلك لا تكونُ القدرةُ محقّقةً .