السيد كمال الحيدري

92

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)

سلمة - حيث شكت إلى رسول الله ( ص ) بُعد منازلهم من المسجد ، فأنزل الله . . . وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ . . . « 1 » ؛ وهو مرويٌّ عن مجاهدٍ أيضاً « 2 » . وأمّا تعوّد الذهاب وإدمانه فهو فضلًا عن كونه عبادةً فإنّه أخلاقٌ ، وأخلاق المسجد هي مسجديّة المسجد ، أو قل هي النتيجة العملانيّة للعبادة في المسجد ، فهدف المسجد هو المسجديّة ، والمسجديّة هي أخلاقه . فإذا خلا المسجد من المسجديّة من خلال ممارسة أخلاقيّات غير إسلاميّةٍ ، أو إدخال المسجد في أتون التناحر والتهاتر ، واتّخذ بوقاً للترويج الفئويّ فإنّه يكون مهجوراً بل خراباً ، ومن هنا يتّضح أنّ المسجد المهجور ليس المسجد الذي لا يصلّى فيه ، فذلك هو المصداق الأبرز ، فهنالك معنىً خفيٌّ عن الناس وهو هجرانه بسبب فقدانه مسجديّته ، فالإنسان قد يموت بقتل شخصه ، وقد يموت بقتل شخصيّته - والثاني أعظم - وهكذا فالمسجد قد يهجر بتركه من رأسٍ ، وقد يهجر بسلب مسجديّته عنه ، والثاني أعظم . أخلاقيّات المسجد مفهوماً ومصداقاً قلنا بأنّ أخلاقيّات المسجد هي عين مسجديّته ، فما هي مصاديق أخلاقه ، أو قل ما هي مصاديق مسجديّته ؟ وهنا ستكون إجابتنا عن ذلك على ثلاثة مستوياتٍ ، الأوّل : قرآنيٌّ ، والثاني : روائيٌّ ، والثالث : آدابٌ عامّةٌ « ما أمر به العقل والعقلاء وندب له الشارع المقدّس » « 3 » .

--> ( 1 ) انظر : كنز العمّال ، المتّقي الهنديّ : ج 7 ، ص 577 ، ح 20330 . ( 2 ) انظر : التبيان في تفسير القرآن ، للشيخ الطوسيّ : ج 8 ، ص 447 . ( 3 ) هنالك فرقٌ دقيقٌ بين المستحبّ والمندوب ، فالأمر المستحبّ دليل استحبابه شرعيٌّ فقط ، ولا يعلم المصلحة الواقعيّة فيه سوى كون المشرّع الحكيم يطلب ذلك لا على نحو اللزوم ، وأمّا الأمر المندوب فهو ما أمضته السيرة العقلائيّة السابقة على التشريع ، ثمّ جاء الشارع المقدّس وندب له ، من قبيل ما يتعلّق ببعض تفاصيل الإطعام .