السيد كمال الحيدري
9
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
هذا ما حاولنا عرضه بأمانةٍ على مستوى الفكرة والمضمون والكلمات ، وبالقدر المتاح الذي تسمح به الصنعة والجانب الفنّيّ للكتاب ؛ فكان التركيز منصبّاً على بيان حقيقةٍ في غاية الأهمّيّة ، وهي أنّ السلوك الفرديّ القويم ترجمةٌ عمليّةٌ لحقيقة المعارف الإلهيّة ، كما يمثّل الانحراف ترجمةً عمليّةً لواقعيّة الجهل الذي عليه الإنسان ؛ وهذا السلوك - مطلقاً - هو الوجه الحاكي عن باطن الإنسان وصورته الفعليّة ، فالسلوك مرآةٌ تحكي باطنه وسريرته ؛ وهذا ما يؤكّد عمق العلاقة بين الظاهر والباطن ، فلا ظاهر بلا باطنٍ ، ولا باطن بلا ظاهرٍ . فالكتاب قد جمع بين المنهجيّة العلميّة في العرض ، والعمق في الفهم والتطبيق ، واليسر واليسار في البيان ؛ إيماناً منه بضرورة إفشاء الجانب التعليميّ ، وما هذا إلّا غيضٌ من فيضٍ في أصل المشروع المعرفيّ الذي تبنّاه السيّد الأستاذ ( دام ظلّه ) في إلزاميّة التفقّه في الدين ، فقهاً وعقيدةً وتفسيراً وحديثاً وأخلاقاً وعرفاناً ، لتكتمل المنظومة الإسلاميّة في ذاكرة كلّ مكلّفٍ . من هذا المنطلق تسجّل هذه الدراسة الأخلاقيّة في تقصّي بحوثها ومحاورها - على المستويين الفرديّ والاجتماعيّ للإنسان في أخلاقيّاته الواقعيّة ، وعلى مستوى الظاهر والباطن - سابقةً مهمّةً تصطفّ مع ذلك الرصيد العلميّ والتعليميّ الذي نهض به السيّد الأستاذ ( دام ظلّه ) منذ أربعة عقودٍ من الزمن . نعم ، إنّها تجربةٌ حاولت أن تعتق نفسها من الاستغراق في الجانب النظريّ ، كما حاولتْ أن تتجنّب الصور العمليّة التي ليس لها منشأٌ نظريٌّ أو علميٌّ ؛ وبعبارةٍ أخرى : إنّها محاولةٌ تمسّ الواقع ولا تتنكّر للمثاليّة ، إلّا أنّها بمجسّاتها الوجدانيّة نأتْ بنفسها عن المثاليّة الصوريّة ، الّتي جعلت الأخلاق العمليّة طائراً غريباً لا عشّ له في قلوبنا ، ولا صدى له في عقولنا . وقد حرصتْ هذه الدراسة على احترام قرّائها على اختلاف مشاربهم