السيد كمال الحيدري
86
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
الأساتذة على عدم إدخاله في دروسهم العالية ! وتعلّم الحروف المعنويّة والقراءة والكتابة فيها تنطلق من عالم الأخلاق ، حيث لابدّ من التخلية التامّة من الأخلاق الذميمة ، ثمّ تبدأ التحلية بالأخلاق الحميدة ، وعندئذٍ تبدأ رحلة التجلّيات التي منها يشرع السالك أو المريد مع العرفاء الواصلين ، ولابدّ من الحذر من الأدعياء في الطريق ، ومن أنصاف الواصلين منهم ، فإنّه من لم تكتمل أدواته لا يُحمد السير معه . والمحصّلة من كلّ ذلك : هي أنّ العبادات في رؤيتها العرفانيّة تتلخّص في تجلية القلب من الأغيار ، وتوحيد نبضات القلب على كلمة التوحيد ، ولا يرى في الأعيان المنظورة غير المنشئ لها ؛ تحقيقاً للمرويّ عن إمام الموحّدين عليّ ( عليه السلام ) : « ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله فيه أو قبله أو معه » « 1 » ، ولا شبهة في أنّ هذه الرؤية ليست رؤيةً ظاهريّةً بل هي رؤيةٌ قلبيّةٌ « 2 » . مثلٌ أعلى في العبادة العرفانيّة وفي ضوء ما تقدّم يتبيّن لنا المثل الأعلى في العبادة العرفانيّة ، فذلك العابد الذي لا يرى غير معبوده ، وإذا كبّر تكبيرة الإحرام ألقى بالعالم المرئيّ خلف ظهره تبعاً لمقتضى رفع اليدين بالتكبير ، وإذا ما فتّشنا المدوّنات التاريخيّة سنجد عيّناتٍ كثيرةً سائرةً في هذا الطريق ، وسنكتفي بعيّنةٍ واحدةٍ تتمثّل بالإمام السجّاد عليّ زين العابدين ( عليه السلام ) . عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال : « كان أبي ( عليه السلام ) يقول : كان عليّ بن الحسين ( عليه السلام ) إذا قام في الصلاة كأنّه ساق شجرةٍ لا يتحرّك منه شيءٌ إلّا ما حرّكه
--> ( 1 ) شرح الأسماء الحسنى ، للحكيم الملّا هادي السبزواريّ : ج 1 ، ص 189 . ( 2 ) انظر : شرح أصول الكافي ، محمّد صالح المازندرانيّ : ج 3 ، ص 83 .