السيد كمال الحيدري
81
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
الْمُفْسِدِينَ ( القصص : 77 ) ، فهذه الآية خير ما تمثّل الرهبانيّة الإسلاميّة المعتدلة ، وقد أفصح رسول الله ( ص ) عن رهبانيّة الإسلام من أنّها تكمن في الجهاد في سبيل الله تعالى كما سيأتي . إنّ الاعتدال في العبادة لا يعني عدم كثرتها البتّة ، فإنّ في كثرة العبادة تطهيراً للقلب وصفاءً وإشراقاً للروح ، ولكنّ هذا التطهير والصفاء والإشراق لا يقع البتّة مع التقصير في حقّ الآخرين ، كمن يتفرّغ للعبادة ويترك الآخرين ينفقون عليه ، فبئس العبد هذا وبئست العبادة هذه ، وهذا رسول الله ( ص ) بأبي هو وأمّي بعد أن تناهي إلى أسماعه أنّ نفراً من أصحابه قرّروا اعتزال الدنيا بالصيام نهاراً والقيام ليلًا ، يقول : « ما بال أقوامٍ حرّموا النساء والطيب والنوم وشهوات الدنيا ، أما إنّي لست آمركم أن تكونوا قسسةً ورهباناً ؛ فإنّه ليس في ديني ترك النساء واللحم ، ولا اتّخاذ الصوامع ، وإنّ سياحة أمّتي ورهبانيّتهم الجهاد » « 1 » . وعن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) وقد سئل عن رجلٍ دخله الخوف من الله ، حتّى ترك النساء والطعام والطيب ، ولا يقدر على أن يرفع رأسه إلى السماء تعظيماً لله ، فقال ( عليه السلام ) : « أمّا قولك في ترك النساء ، فقد علمت ما كان لرسول الله ( ص ) منهنّ ، وأمّا قولك في ترك الطعام والطيب ، فقد كان رسول الله ( ص ) يأكل اللحم والعسل ، وأمّا قولك أنّه دخله الخوف من الله حتّى لا يستطيع أن يرفع رأسه ، فإنّما الخشوع في القلب ، ومن ذا يكون أخشع وأخوف لله من رسول الله ( ص ) ، فما كان يفعل هذا ، وقد قال الله عزّ وجلّ : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ . . . » « 2 » .
--> ( 1 ) مستدرك الوسائل ، للميرزا النوريّ : ج 16 ، ص 53 ، ح 1 ، الباب 14 . ( 2 ) مستدرك الوسائل ، للميرزا النوريّ : ج 14 ، ص 215 ، ح 2 ؛ والآية : ( الأحزاب : 21 ) .