السيد كمال الحيدري
78
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
الصفات الإلهيّة « 1 » ، وفي بعدها السلبيّ تمثّل قيماً إنسانيّةً دانيةً مستمدّةً من صفات الشيطان بإغراءاتٍ منه ، وتسويلاتٍ من النفس الأمّارة بالسوء ، وأنّ الأخلاق الإيجابيّة تمثّل جنود العقل وقلاعه ، والأخلاق السلبيّة تمثّل جنود الجهل وقلاعه . ولا ريب أنّ القيم الإنسانيّة ببعديها سابقةٌ من حيث الزمان على التشريعات الإسلاميّة ، غير أنّ ذلك لا ينفي عنها شرعيّتها بعد أن أمر الشارع بالإيجابيّة منها ونهى عن السلبيّة منها ؛ فقد أمر بالصدق ونهى عن الكذب . من هنا يتّضح أنّ لباس العباديّة يضمّ الأخلاق ، فالمؤمن الصادق في قوله وعمله مأجورٌ على ذلك ، بل ويستحقّ الجنّة والرضوان لذلك ، لقوله تعالى : قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( المائدة : 119 ) ؛ ومن الواضح أنّ متعلّق الأجر والثواب هو العبادات التي يلحظ فيها قصد القربة ، إلّا أنّ هنالك فروقاً عديدةً ودقيقةً سنذكر خمسةً منها : * الفرق الأوّل : إنّ الأخلاق عباداتٌ ولكن بالمعنى الأعمّ ، في حين أنّ العبادات المعلومة عباداتٌ بالمعنى الأخصّ ، أو قل : إنّ العبادات المعلومة عباديّتها محضةٌ ، والأخلاق عباديّتها غير محضةٍ . * الفرق الثاني : إنّ العبادات المعلومة عباديّتها أصاليّةٌ ، في حين أنّ عباديّة الأخلاق فرعيّةٌ غير أصاليّةٍ . * الفرق الثالث : إنّ الأخلاق أمورٌ تقتضيها الفطرة الإنسانيّة السليمة ، في حين أنّ العبادات أمورٌ جعليّةٌ من قبل الشارع المقدّس . *
--> ( 1 ) ممّا يعني أنّ الأخلاق الكريمة إلهيّة الأصل انبسطت على الخلائق ، بخلاف ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسيّ عمّانوئيل كانْت من أنّ الإنسان أصل الأخلاق وليس العكس ؛ حيث يقول : « لو درسنا المعطى الأخلاقيّ . . . أي : تلك الأفعال التي يتّفق الناس في اعتبارها صالحةً . . . لاتّضح لنا أنّ ما يأذن لنا بوصف فعلٍ ما بأنّه فاضلٌ ليس على الإطلاق انطباقه على قاعدةٍ ميتافيزيائيّةٍ . . . » . ( تأسيس ميتافيزيقيا الأخلاق ، تأليف عمّانوئيل كانت : ص 73 ؛ ترجمة حميد عنايت وعلي فيض ) .