السيد كمال الحيدري
70
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
ونترك واجباً ، كمن يشتغل بالزيارات وهو تاركٌ للصلاة - مع أنّ الشفاعة لا تنال مستخفّاً بالصلاة فكيف بتاركها ؟ ! « 1 » - أو يحرص على استعمال المسواك ليطيب فمه ثمّ يأكل لحم أخيه ميتاً « 2 » . إنّ قاعدة الأولويّات عمليّةٌ تنظيميّةٌ يراعى فيها ما توفّر من استعداداتٍ ، فلا نتجاوز رسماً لآخر إلّا بعد إتمام الأوّل ، ومنه تفهم أنّ رعاية الواجب والتحقيق في صحّة أدائه أولى بكثيرٍ من رعاية ذلك في المستحبّ ، بل لا معنى للاهتمام برسوم المستحبّات قبل الفراغ من رسوم الواجبات « 3 » ، بل لا معنى
--> ( 1 ) عن عبيد بن زرارة عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) في حديثٍ عن الكبائر ، قال : « . . . إنّ تارك الصلاة كافرٌ » . ( الأصول من الكافي ، للشيخ الكلينيّ : ج 2 ، ص 278 ، ح 8 ) ؛ وعن أبي بصيرٍ عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال : « قال رسول الله ( ص ) : لا ينال شفاعتي من استخفّ بصلاته ، لا يرد عليّ الحوض ، لا والله » . ( وسائل الشيعة ، للحرّ العامليّ : ج 4 ، ص 26 ، ح 10 ) ؛ والسرّ في ذلك كما جاء على لسان الإمام الباقر ( عليه السلام ) : « الصلاة عمود الدين ، مثلها كمثل عمود الفسطاط ، إذا ثبت العمود ثبت الأوتاد والأطناب ، وإذا مال العمود وانكسر لم يثبت وتدٌ ولا طنبٌ » . ( وسائل الشيعة ، للعامليّ : ج 4 ، ص 27 ، ح 12 ) . ( 2 ) قال تعالى : . . . وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ( الحجرات : 12 ) . ( 3 ) يروى في أحوال المحدّث الثقة عبّاس القمّيّ - وهو من تلامذة الفقيه العارف الميرزا حسين قلي همداني - أنّه استفاد من بعض الأخبار : أنّ من يطبّق المستحبّات ويترك المكروهات سيمكنه أن يطّلع على عالم البرزخ ؛ فحرص على تطبيق كلّ ذلك ، وبعدها زار مقبرة وادي السلام في النجف الأشرف فلم يقع له شيءٌ ؛ فعاد وتأمّل فيما هو عليه - وقيل بأنّه سمع صوتاً ينبّهه إلى الوجبات والمحرّمات - فأخذ يدقّق في أقواله وأفعاله ، فاتّضح له أنّه كان يترك بعض الواجبات ، وتقع بعض المحرّمات منه غفلةً لا عمداً ؛ فعزم على تطبيق قاعدة الأولويّات ، فطبّق كلّ واجبٍ وترك كلّ محرّمٍ ، وبعدها أصبح يسمع أصوات الموتى قبل وصوله إلى المقبرة . وهذه القصّة بقطع النظر عن صحّتها - مع وثاقة نقلتها - فإنّها تمنحنا فرصةً لتطبيق ذلك ، وعند الصباح يحمد القوم السرى .