السيد كمال الحيدري
55
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
فالاقتصاد في العبادة لا يعني التقليل منها ، وإنّما يعني عدم الإجهاد ولحوق الأذى من جرّاء ذلك ؛ فمن أمكنه الإكثار من النوافل دون تتأثّر الفرائض بذلك ، ودون أن يصل الحال به حدّ الإجهاد فذلك من الكمال المطلوب . ولعلّ الإنسان لا يصلح أمره إلّا بالعبادة والإكثار منها ، ولكن بالنحو المقتصد ، وقد قيل في غير هذا المورد : « قليلٌ يقرّ خيرٌ من كثيرٍ يفرّ ) . وهكذا الحال في العبادات فإنّ القليل منها يؤتى بقلبٍ خاشعٍ خيرٌ من الكثير منها بقلبٍ ساهٍ ؛ وقد مرّت بنا كلمة الإمام عليّ بن الحسين ( عليه السلام ) من : « أنّ العبد لا يُقبل من صلاته إلّا ما أقبل عليه منها بقلبه . . . » « 1 » . الرسم الثاني عشر : عبادة السرّ مقدّمةٌ على عبادة العلن عن عمارٍ الساباطيّ قال : قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) : « يا عمّار ، الصدقة والله في السرّ أفضل من الصدقة في العلانية ، وكذلك والله العبادة في السرّ أفضل منها في العلانية » « 2 » ؛ وعبادة السرّ خصوص النوافل ، وأمّا الفرائض فيستحبّ كثيراً الإتيان بها في المسجد ، ممّا يجعلها مقتضيةً للعلن ، بل في إعلانها مصلحةٌ كبيرةٌ ؛ وأمّا النوافل فالأمر مختلفٌ تماماً ؛ فإنّ الرياء - مثلًا - لا يقع عادةً في الصلوات المفروضة ، وإنّما يقع في النوافل ؛ لأنّ الناس لا تمدح - عادةً - على الفعل الواجب ، وإنّما على الفعل المستحبّ ، وهذا الأمر قد يوقع البعض في الرياء ، حيث يطلب المحبوبيّة في قلوب الناس ؛ ولذلك ورد الحثّ على الإتيان بها سرّاً . وفي السرّ يتّضح للنفس نوع ما تأتي به من العبادات ، أبنشاطٍ أم بكسلٍ ؟ أبرغبةٍ أم بنفورٍ ؟ وعندئذٍ يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، فمن ثبت له
--> ( 1 ) علل الشرائع ، للشيخ الصدوق : ج 1 ، ص 231 ، ح 8 . ( 2 ) الأصول من الكافي ، الشيخ الكلينيّ : ج 4 ، ص 8 ، ح 2 .