السيد كمال الحيدري

28

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)

الرسم الأوّل : العبادة فرع التوحيد قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ( الأنبياء : 25 ) ، فلا تُتصوّر عبادتنا التوحيديّة لله سبحانه دون الإقرار المسبق بألوهيّته ووحدانيّته ، وإلّا كنّا على خطرٍ عظيمٍ من التعرّض لشبح الشرك الناشئ عادةً من شدّة الاقتران بالحسّ أو متابعة الوهم « 1 » . الرسم الثاني : خلوص العبادة من مظاهر الشرك مطلقاً قال تعالى : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( الكهف : 110 ) ، وهذا الشرك المنهيّ عنه ليس الشرك الذاتيّ أو الصفاتيّ ، وإنّما الشرك في العبادة ، فهنالك من يعتقد بوحدانيّة الذات المقدّسة ، وأنّها الوحيدة الموصوفة بالألوهيّة ، وهذا هو معنى التوحيد الذاتيّ ( الذي يقع في قباله الشرك في الذات ) كما أنّ هنالك من يعتقد بعينيّة الصفات الذاتيّة الإلهيّة ، فهي ليست زائدةً على الذات ، وهذا هو التوحيد الصفاتيّ ( الذي يقع في قباله الشرك في الصفات ) ولكن مثل هذا الموحّد الذاتيّ والصفاتيّ قد يقع منه شركٌ في العبادة ، وهذا الشرك العباديّ يكمن في قصد الغير أو إشراكه مع الله تعالى في العبادة ، من قبيل الرياء المسمّى بالشرك الأصغر « 2 » ، فإنّه يتنافي مع قصد عبادته ، وإن

--> ( 1 ) إنّ من أعظم الأسباب المفضية للوقوع في حبائل الشرك : الاندكاك في عالم الحسّ ، فتضيق دائرة التجرّد والمجرّدات عنده فيضفي صفة الجسميّة للإله المعبود ، ويفترض له مصداقاً حسّيّاً في الخارج ، كما هو حال سائر المشركين تاريخياً ، وأمّا الوهم فإنّ الإنسان إذا لم يأنس بصناعة البرهان ويتغافل عن الفطرة الحاكمة بالتوحيد يفترض له الوهم شركاء ، ويساق لوهمه شيئاً فشيئاً . ( 2 ) قال رسول الله ( ص ) : « إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر . قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء ، يقول الله عزّ وجلّ يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم : اذهبوا إلى الّذين كنتم تراءون في الدنيا هل تجدون عندهم ثواب أعمالكم ؟ » . ( عدّة الداعي ونجاح الساعي ، أحمد بن محمّد بن فهد الحلّي الأسديّ : ص 214 ) ؛ وفي الحديث أيضاً : « أنّه يؤمر برجالٍ إلى النار فيوحي الله سبحانه إلى مالك خازن النار : يا مالك ، قل للنار : لا تحرق لهم أقداماً فقد كانوا يمشون بها إلى المساجد ، وقل للنار : لا تحرق لهم وجوهاً فقد كانوا يسبغون الوضوء ، وقل للنار : لا تحرق لهم أيدياً فقد كانوا يرفعونها إليّ بالدعاء ، وقل للنار : لا تحرق لهم ألسنةً فقد كانوا يُكثرون تلاوة القران ، فيقول لهم مالك : يا أشقياء ، ما كانت أعمالكم في الدنيا ؟ فيقولون : كنّا نعمل لغير الله ؛ فيقول لهم : خذوا ثوابكم ممّن عملتم له » . ( المصدر السابق : 215 ) .