السيد كمال الحيدري

22

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)

عن الفاقة ، وسبحان الكامل الصرف عن النقص ، ولا ميز في الغرض المنفيّ والغاية المسلوبة عنه تعالى بين أن يكون هو جلب النفع إلى نفسه أو إيصال الخير إلى الغير ؛ إذ لو كان إيصال ذلك الخير إلى الغير فرضاً له وغايةً لذاته ، يلزم أن يكون ذاته تعالى بدون ذلك الإيصال ناقصاً ومعه يصير كاملًا ، وهو محالٌ ، بل هو تعالى جوادٌ محضٌ ، يهب ما ينبغي كما ينبغي ، لا لعوضٍ ولا غرضٍ ، وإن كان فعله تعالى متن الحكمة وينبوع الخير ومعدن البركة » « 1 » . وهذه الحقيقة سجّلها القرآن في أكثر من موردٍ ، منها قوله تعالى : وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ( إبراهيم : 8 ) ، وإنّما وقع الخلق منه لأنّه ذو الرحمة ، حيث قوله : وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( الأنعام : 133 ) . ولأنّه كريمٌ وفيّاضٌ ومقتضى كرمه وفيضه العطاء ، فلو لم يقع منه الخلق لقيل في حقّه : لم لم يقع منه ذلك وهو الكريم الفيّاض ؟ وأمّا إذا وقع الخلق منه - كما هو الواقع - فذلك هو مقتضى القاعدة ، وكما يقال في المباني الفلسفيّة : إنّ الذاتيّ لا يعلَّل ؛ فلا يُسأل الله تعالى عن سبب صدور الخلق منه ؛ لأنّ الذاتيّ لا يعلّل ، وإنّما يُسأل عن ذلك من لم تكن فيّاضيّته ذاتيّةً . فإذا ما تعايش المؤمن مع حقيقة غنى الله تعالى عن عبادته سيلتفت إلى أنّ الحركة والطريقيّة والهدفيّة القريبة والبعيدة تبدأ من الإنسان وتنهي إليه ، والإنسان - ذاتيّاً - يتحرّك ذاتيّاً باتّجاه مصالحه ؛ فلو علم بأنّ عبادته لله تعالى ليس هو المنتفع منها ، وأنّ رضا الله تعالى كماله لله تعالى ، سوف تعيش حركته نوعاً من الانقباض ، لأنّ الإنسان - كما عرفت - يتحرّك ذاتيّاً باتّجاه مصالحه ؛ وهنا أراد الله تعالى بمقتضى حكمته وإطلاقيّته في الكمال أن يجعل الحركة باتّجاه

--> ( 1 ) أسرار الحجّ ، آية الله عبد الله جواديّ آمليّ : ص 5 و 6 .