السيد كمال الحيدري
84
دروس في علم الإمام
من هنا يُطرح هذا التساؤل بإزاء هذه الحقيقة القرآنية ، وهو : ما هي طبيعة هذه الأوّليّة ؟ زمانيّة هي أم رتبيّة ؟ إن قيل : إنّ معناها هي الأوّليّة الزمانيّة ، أي : إنّ المقصود منها هي أنّ نبيّنا صلى الله عليه وآله أوّل المسلمين في عصره وبالنسبة لأمّته . فالجواب : إنّ بقيّة الأنبياء - لاسيمّا أولي العزم عليهم أفضل الصلاة والسلام الذين سبقوا نبيّنا صلى الله عليه وآله - هم أولى بتسمية كلّ واحد منهم ب - « أوّل المسلمين » ؛ لأنّ كلّ واحد منهم هو كذلك بالنسبة إلى أمّته وعصره ، ومع ذلك لم يستعمل القرآن هذه الصيغة بالنسبة لغير الخاتم صلى الله عليه وآله من بقيّة الأنبياء . إذن ، الاستعمال القرآني لصيغة « أوّل المسلمين » مختصّ به صلى الله عليه وآله دون سواه ، ممّا يكشف عن أنّ هذه الأوّليّة ليست هي الأوّليّة الزمانيّة ، بل المراد منها هي الأوّليّة الرتبيّة ، أي أنّ الرسول صلى الله عليه وآله أوّل الأنبياء رتبةً من حيث الانقياد والطاعة والعبوديّة له تعالى ، فهو أوّل مَن حاز أعلى مراتب العبوديّة والقُرب الإلهي . وهذا ما أكّدته الآيات والنصوص الروائيّة : منها أنّ القرآن الكريم لم يستعمل لفظ « العبد » من دون تقييد إلّا في الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، كما في قوله تعالى : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الإسراء : 1 ، وهذا بخلاف ما لو ذكر اسم « العبد » في غيره صلى الله عليه وآله ، فإنّه يذكر ذلك مع ذكر اسم ذلك النبيّ أو أيّ قرينة تدلّ عليه ، كما في قوله تعالى : وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ص : 45 ، وقوله : لَنْ يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لله النساء : 172 ، فلو لم يذكر المسيح عليه السلام لم يعرف بأنّه هو المقصود ، كذلك قوله تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ص : 17 ، فبيّن مراده من العبد هنا وهو