السيد كمال الحيدري
82
دروس في التوحيد
2 . نظرية المعطّلة في مقابل النظريّة السابقة التي أفرطت في تشبيه الواجب تعالى ، نشأت نظريّة أخرى أرادت التحرّر من التشبيه ، لكنّها وقعت في أسارة التعطيل ، حيث حكمت بتعطيل العقول عن معرفة الواجب ومعرفة صفاته ، فقالت : إنّ الواجب تعالى وإن كان يتّصف بالعلم والقدرة والحياة ، إلّا أنّه ليس بإمكان أحد أن يتعرّف على صفاته تعالى ، وليس لمعرفته سبيل إلّا ما ورد في الكتاب والسنّة من دون بحث ونقاش ، ومن جملة كلماتهم في المقام ما ذكره مالك حينما سُئل عن قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوَى ( البقرة : 29 ) حيث قال : " الاستواء معلوم والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة . ونُقل عن سفيان بن عيينة أنّه قال : كلّ ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه " « 1 » . وقد أشار الطباطبائي لهذه النظريّة في ذيل قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ( الأعراف : 54 ) حيث قال : " للناس في معنى العرش بل في معنى قوله : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ والآيات التي في هذا المساق مسالك مختلفة ؛ فأكثر السلف على أنّها وما يشاكلها من الآيات من المتشابهات التي يجب أن يرجع علمها إلى الله سبحانه ، وهؤلاء يرون البحث عن الحقائق الدينيّة والتطلّع إلى ما وراء ظواهر الكتاب والسنّة بدعة " « 2 » . مناقشة نظريّة المعطّلة 1 . إنّ استحالة معرفة كُنه ذات الواجب وصفاته وإن كانت صحيحة ، لكن ذلك لا يعني عدم المعرفة مطلقاً كما سيأتي بيانه في النظريّة الثالثة .
--> ( 1 ) نقلًا عن الإلهيّات ، مصدر سابق : ج 1 ص 87 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 8 ص 53 .