السيد كمال الحيدري

390

دروس في التوحيد

أَحْمَدُ : " إشارة إلى الشطر الثاني من رسالته ( عليه السلام ) . وقد أشار إلى الشطر الأول بقوله : وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ . ومن المعلوم أنّ البشرى هي الخبر الذي يسرّ المبشّر ويفرحه ، ولا يكون إلّا بشيء من الخير يوافيه ويعود إليه ، والخير المترقّب من بعثة النبيّ ودعوته هو انفتاح باب من الرحمة الإلهية على الناس ، فيه سعادة دنياهم وعقباهم من عقيدة حقّة أو عمل صالح أو كليهما ، والبشرى بالنبيّ بعد النبيّ وبالدعوة الجديدة بعد حلول دعوة سابقة واستقرارها - والدعوة الإلهية واحدة لا تبطل بمرور الدهور وتقضّي الأزمنة واختلاف الأيام والليالي - إنّما تتصوّر إذا كانت الدعوة الجديدة أرقى فيما تشتمل عليه من العقائد الحقّة والشرائع المعدّلة " « 1 » . إذن الرسالة العيسوية تنقسم إلى شطرين ، شطر أكّدت ما قبلها وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ ، والشطر الآخر أنّه بشّر بالخاتم ( صلّى الله عليه وآله ) . فالبشرى من النبيّ عيسى ( عليه السلام ) واضحة في أنّ الرسالة الإسلامية أكمل الرسالات الإلهية السابقة وأفضلها ، ليس فقط في الفروع وبيان الشريعة ، بل هي الأفضل مطلقاً على مستوى الأصول والتوحيد الكامل لله سبحانه وتعالى ، وإن كانت الرسالات السابقة داعية للتوحيد ، ولكن الرسالة الإسلامية تميّزت بميزات جعلت من التوحيد قضيّة تعيش مع الإنسان ليس في وجدانه وقلبه فحسب ، وإنّما يعيش معها في كلّ حركة من حركاته وكل موقف من مواقفه ، وكل فعل من أفعاله ، وكل ممارسة من ممارساته . وهذا التوحيد تجسّد في النبيّ الأكرم ، لذا كان ( صلى الله عليه وآله ) الأفضل مطلقاً . ومن الجدير بالذكر أنّ البشارة بالنبيّ الخاتم ، لم تقتصر على النبيّ عيسى ( عليه السلام ) بل إنّ الله تعالى أخذ ميثاقاً وعهداً شديداً من الأنبياء على التبشير بالنبيّ

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 19 ص 252 .