السيد كمال الحيدري

376

دروس في التوحيد

الملائكة عن سبب جعل خليفة يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، ومن الواضح أنّ هذا التساؤل يكشف عن أنّ الملائكة قد فهموا أنّ المستخلف لهذا الخليفة هو الله تعالى وأنّ هذا الموجود الأرضي - وهو الإنسان - سنخ موجود يمكن أن يصدر منه الفساد وسفك الدماء ، وحيث إنّ الله تعالى منزّه عن الشرّ والفساد ونحوهما ، فيكون هذا الخليفة غير متلائم وغير منسجم مع فعل الله تعالى المنزَّه عن الشرِّ والفساد ، ومن هنا جاء سؤال الملائكة الاستفهاميّ بأنّ هذا الخليفة يفعل الفساد ويسفك الدماء ، وهو ينافي فعل الله تعالى المنزَّه عن الشرّ . وهذه القرينة تعدّ خير دليل على أنّ هذه الخلافة عن الله تعالى ، لا خلافة إنسان لمخلوق آخر . القرينة الثانية : إنّ إطلاق لفظ الخليفة في قوله تعالى : إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً من دون إشارة وإضافة إلى المخلوق ، يؤكّد أنّ الإنسان خليفة لمن جعله وهو الله تعالى وليس خليفة عن قوم آخرين . وهذا نظير ما لو قال رئيس الدولة مثلًا : " إني جاعل في المكان الفلاني خليفة " ، فإنّ المفهوم العرفي هو كون هذا الخليفة لرئيس الدولة نفسه ، لا لغيره . فحينما يقول تعالى : إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً فإنّ المفهوم العرفي منها هو خليفة لله تعالى لا لغيره . 3 . العلم في قوله : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا إن الأبحاث المنطقية تقول إنّ العلم ينقسم إلى قسمين ؛ أحدهما : العلم الحصولي وهو العلم الحاصل من المفاهيم والصور الذهنية . فالحاضر عند العالم هو صورة المعلوم ورسمه ، والآخر : العلم الحضوري وهو أن يكون المعلوم ذاته حاضراً عند العالم ، فمثلًا : علمي بنفسي علم حضوريّ لأنّ نفسي