السيد كمال الحيدري

328

دروس في التوحيد

ومن جميع ما تقدّم يتحصّل إثبات ما نصّت عليه الآية في مقدّمتها الأولى من التلازم بين تعدّد الآلهة والأرباب وفساد النظام الكوني ، إذ يلزم من التعدّد فساد هذا النظام الواحد ويفسد الترابط بين أجزاء الكون . المقدّمة الثانية : وهي تتكفّل ببطلان التالي ، أي عدم وجود فساد فيما نشاهده في النظام الكوني ، لينتج النتيجة المطلوبة : وهي عدم تعدّد الآلهة . وعدم وجود الفساد في نظام الكون هو ما يصرح به القرآن صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء ( النمل : 88 ) . حيث يدلّ بوضوح على أنّ النظام الموجود هو النظام الأتقن الذي لا يتخلّله اضطراب ولا ينفذ إليه فساد . وفي آية آخرى يقول تعالى الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ( الملك : 3 - 4 ) . فقد أشير في الآيتين إلى أنّ النظام الجاري في الكون نظام واحد متّصل الأجزاء مرتبط الأبعاض . وتوضيح ذلك أنّ : " المراد بنفي التفاوت اتّصال التدبير وارتباط الأشياء بعضها ببعض من حيث الغايات والمنافع المترتّبة على تفاعل بعضها في بعض . فاصطكاك الأسباب المختلفة في الخلقة وتنازعها ، كتشاجر كفّتي الميزان وتصارعهما بالثقل والخفّة والارتفاع والانخفاض . فإنّهما في عين أنّهما تختلفان ، تتّفقان في إعانة من بيده الميزان فيما يريده من تشخيص وزن السلعة الموزونة " « 1 » . لا يخفى أن الطباطبائي ساق مثال " الميزان " درءاً لإشكال قد يذهب إلى أنّ واقع التضادّ والتزاحم الموجود في العالم المادّي يقود إلى وقوع الفساد ،

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 15 ، ص 350 .