السيد كمال الحيدري
312
دروس في التوحيد
لأنّها مقارنة لفقدٍ وعدمٍ ما . فكلّ نازلة من الله ، وليست من هذه الجهة سيّئةً وإنّما هي سيّئة نسبية بالنسبة إلى الإنسان وهو واجد ، فكلّ سيّئة فهي أمر عدميّ غير منسوب من هذه الجهة إلى الله سبحانه البتّة ، وإن كانت من جهة أخرى منسوبة إليه تعالى بالإذن فيه ونحو ذلك " « 1 » . ما تفيده هذه الرؤية هو : أن أيّ وجود في نفسه فهو خير وحسن ، كما عبّر القرآن الكريم : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ ( السجدة : 7 ) ، فكلّ شيء من الموجودات هو في نفسه حسن وجميل وخير . نعم عندما تتزاحم هذه الموجودات فيما بينها وتتضادّ ، يقع بينها علاقات فعل وانفعال ، فتؤدّي بعضها إلى انعدام بعض أو إلى انعدام بعض كمالات وجود آخر . أي يحصل التضادّ والتزاحم والصراع الذي هو من خصائص عالم المادّة ؛ لأن عالم المادّة ممتلئ بالتزاحم ، فالماء يزاحم النار ، والنار تزاحم الماء ، والحيّات والعقارب والحشرات السامّة تزاحم بسمومها وجود الإنسان ، والإنسان يزاحم بفعاله وجود الحيوانات ، ويضرّ بها عبر تصرّفاته بالبيئة والطبيعة . ومعنى ذلك أنّ الشرور هي من لوازم وجود المادّة . إلى هذه الحقيقة يشير النصّ الفلسفي التالي : " فمجال الشرّ ومداره هو عالم المادّة الذي تتنازع فيه الأضداد وتتمانع فيه مختلف الأسباب ، وتجري فيه الحركات الجوهرية والعرضية التي يلازمها التغيّر من ذات إلى ذات ومن كمال إلى كمال . والشرور من لوازم وجود المادّة القابلة للصور المختلفة والكمالات المتنوّعة المتخالفة . . . وبهذا تبيّن أنّ عالم التجرّد التامّ لا شرّ فيه " « 2 » .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 102 . ( 2 ) بداية الحكمة ، مصدر سابق : ص 312 .