السيد كمال الحيدري

307

دروس في التوحيد

السهل أن نلمس أنّ أوّل ما هو مطلوب للإنسان هو أصل وجوده وحياته ، فهو يحبّ وجود نفسه ، وهذا الأمر يمثِّل بالنسبة إليه أصل الخيرات . في المقابل يعدّ كلّ ما يرجع إلى عدم هذا الوجود منفوراً عند الإنسان وشرّاً . فالخير هو كلّ شيء مطلوب للإنسان ، والشرّ هو ما ينفر عنه الإنسان . لكن هنالك تساؤل يُثار على هذا الصعيد حاصله : كيف يمكن التمييز بين ما هو خير وشرّ حقيقيّ عمّا هو خير وشرّ غير حقيقيّ ؟ فقد يكون الأمر مجرّد وهم ، كما يمكن أن يكون ما نتصوّره خيراً أو شرّاً ليس خيراً أو شرّاً حقيقيّاً بالنسبة إلى الإنسان ، خاصّة وأنّ القرآن يومئ إلى مثل هذا الالتباس في قوله سبحانه : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( البقرة : 216 ) . يمكن الإجابة عن هذا السؤال بنحو عام من خلال القول إنّ بعض مصاديق الخير والشرّ واضحة عند الإنسان وهي من الجلاء بحيث لا يشكّ فيها ، إمّا عقلًا وإمّا فطرة ، كما هو الحال في أصل الحياة والوجود ، والعلم والصحّة والسلامة والأمان ونحوها . لكن توجد في المقابل أمور من الخير والشرّ لا يستطيع الإنسان تشخيصها ولا سبيل له إلى ذلك ؛ من هذا حاجته إلى الدين وإلى الارتباط بالله وإلى الشريعة ليستطيع من خلال ذلك أن يميِّز ما هو خير عمّا هو شرّ في هذه المنطقة المجهولة . على هذا ، ما يستطيع العقل والفطرة تمييزه على أنّه خير ، فهو مطلوب ، وما يشخّصان أنّه شرّ فهو مرفوض . أمّا في دائرة ما لا يستطيع الإنسان تمييزه عبر العقل والفطرة ومعايير العقلاء ، فلابدّ من الرجوع فيه إلى الدين والشريعة لمعرفة ما هو خير له وما هو شرّ . وهذه إحدى دواعي حاجة الإنسانية إلى الدين والشريعة وإلى الارتباط بالله سبحانه .