السيد كمال الحيدري

267

دروس في التوحيد

أمّا صدر الدين الشيرازي فقد تناول النقطة ذاتها في " الأسفار " عندما مرّ على إشكال أنّ العلم يؤدّي إلى الجبر ، وأوضح جوابه عليه بقوله : " فالحقّ في الجواب أن يقال : إنّ علمه وإن كان سبباً مقتضياً لوجود الفعل من العبد ، لكنّه إنّما اقتضى وجوده وصدوره المسبوق بقدرة العبد واختياره ، لكونها من جملة أسباب الفعل وعلله ، والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار بل يحقّقه " « 1 » . فهذا النصّ يفيد المعنى الذي ذكرناه ، فإذا علم الله سبحانه صدور الفعل من العبد يستحيل أن لا يقع الفعل ، بيدَ أنّ الله سبحانه عَلِمَهُ على صيغة أنّ العبد قادر مختار في إيجاد الفعل ، لأنّه سبحانه أراد من الأزل أن يخلق مخلوقاً يملك حريّة الاختيار في الفعل والترك ، وبذلك تصير هذه القدرة والاختيار من جملة أسباب الفعل وعلله ، والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار . فإذا صار الفعل ضروريّاً ، عَلِم الله أنّ العبد سوف يختاره . وهذا لا يعارض الاختيار . بعبارة أوضح : ما دام الله سبحانه أراد من الأزل أن يوجد مخلوقاً مختاراً له حرية الفعل والترك ، فإنّ علم الله بفعله لا يبطل اختيار الإنسان في الفعل والترك ، لأنّ العلم الإلهي تعلّق بصدور الفعل حينما أراد الإنسان الفعل وعلم الله منه ذلك أزلًا ، وتعلّق بالترك حينما أراد الإنسان الترك وعلم الله منه ذلك أزلًا ، ومن ثمّ لا موضع للجبر في الفعل والترك رغم علم الله بهما . نظرية الكسب ولدت نظرية الكسب في أوساط بعض الفرق المحدودة في حياة المسلمين كالنجّارية والضرارية ، ثمّ ما لبثت أن تحوّلت إلى نظرية مشهورة بتبنّي الأشعرية لها . والنظرية في جوهرها هي تعبير عن تكييف جديد للموقف

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ج 6 ، ص 385 .