السيد كمال الحيدري
227
دروس في التوحيد
الواجب تعالى كما هو واضح ، فهو تعالى مختار بهذا المعنى ؛ إذ لا يوجد موجود غيره تعالى يستطيع أن يجبره على فعل ما ؛ لأن أيّ موجود آخر غير الواجب ، فهو إما معلول للواجب تعالى أو معلول لواجب آخر ، فإن كان معلولًا للواجب تعالى فيكون متأخّراً رتبة عن الواجب تعالى ، والمتأخّر لا يمكن أن يجبر المتقدّم ، لأنّه قبل الإيجاد ليس بموجود حتى يمكن أن يجبر الواجب على ذلك الفعل ، لأنه يلزم تقدّم المتأخّر وهو محال ؛ للزوم أن يكون الشيء متأخّراً ومتقدماً في آن واحد ، وهو محال . أما كون المجبر معلولًا لواجب آخر ، فهو باطل ؛ لأن أدلة وحدانية الواجب تبطله . إذن : الله تعالى مختار بالمعنى الأول ، أي أنه تعالى ليس مجبراً على فعل من الأفعال لعدم وجود من يجبره ، فهو من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع . أما المعنى الثاني من الاختيار ( وهو ترجيح إحدى الرغبتين على الأخرى ) فلا يصدق على الواجب تعالى ، إذ ليس للواجب رغبتان متضادتان لكي يرجّح إحداهما على الأخرى ، فإن الرغبات المتضادّة إنما توجد في الموجودات غير الواجب تعالى ؛ إذ لا يعقل أن يكون للواجب رغبات متضادّة . فهذا المعنى من الاختيار مسلوب عن الواجب تعالى ، ولا يعني ذلك أنه سلب لكمال من الكمالات ؛ لأن الاختيار بهذا المعنى نقص ، وسلب النقص عن الواجب كمال ، كما هو الحال في قولنا إنّ الواجب ليس بجاهل ، فكذلك سلب الاختيار بهذا المعنى يعني سلب نقص لا سلب كمال . أما المعنى الثالث من الاختيار ( وهو قبال الإكراه على الفعل ) : فإنه يصدق على الواجب تعالى ؛ لأن هذا المعنى من الاختيار - وهو قبال الإكراه على الفعل - كمال ، والواجب تعالى لا يشذّ عنه كمال من الكمالات ، إذ لا