السيد كمال الحيدري

155

دروس في التوحيد

معنىً من المعاني حقيقة وروحاً ، وله صورة وقالب ، وقد تتعدّد الصور والقوالب لحقيقة واحدة ، وإنّما وضعت الألفاظ للحقائق والأرواح ، ولوجودهما في القوالب تستعمل الألفاظ فيهما على الحقيقة لاتّحاد ما بينهما . مثلًا : لفظ القلم إنّما وضع لآلة نقش الصور في الألواح من دون اعتبار أن تكون هذه الآلة من قصب أو حديد أو غير ذلك ، بل ولا أن يكون القلم جسماً أو أن يكون النقش محسوساً أو معقولًا ، ولا كون الألواح التي يكتب عليها من قرطاس أو خشب ، بل مجرّد كونه منقوشاً فيه ، وهذه وحدها حقيقة اللوح وروحه ، فإن كان في الوجود شيء يسطّر بواسطة نفس العلوم في ألواح القلوب ، فأخلق به أن يكون هو القلم ، قال سبحانه : الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ( العلق : 4 - 5 ) ، بل هو القلم الحقيقي حيث وجد فيه روح القلم وحقيقته وحدّه من دون أن يكون معه ما هو خارج عنه " « 1 » . في ضوء هذه القاعدة قدّمت هذه النظرية فهمها لكثير من الحقائق القرآنية ؛ كاللّوح والقلم والكتاب والعرش والكرسيّ ، ممّا يفيد أنّ لهذه المفاهيم جميعاً حقائق واقعيّة ومصاديق خارجيّة تتناسب وشأنها ، لكن غاية ما هناك أنّ الإدراك الإنساني لم يألفها ، لألفته بمصاديق عالم المادّة دون ما يقع وراءه . من هنا لابدّ من الالتفات إلى أنّ لغة بعض الآيات والروايات وإن كانت تتحدّث عن هذه الحقائق بما يشبه المصداق المادّي ، إلّا أنّ ذلك من باب المثال وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ( العنكبوت : 43 ) ، باعتبار أنّ الإنسان لا يستطيع أن يستوعب تلك الحقائق إلّا من خلال هذا السبيل . على أساس هذا المرتكز المنهجي الذي تبلور فيما سلف ، نحاول الوقوف

--> ( 1 ) تفسير الصافي ، تأليف : أستاذ عصره ووحيد دهره المولى محسن الملقّب بالفيض الكاشاني ، ت 1091 ه - ، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، 1979 م : ج 1 ، ص 29 .