السيد كمال الحيدري

152

دروس في التوحيد

والنزول - كما ذُكر في اللّغة - يستدعي علوّاً وسفلًا ؛ قال الراغب في المفردات : " النزول في الأصل : هو انحطاط من علوٍّ ، يقال نزل عن دابّته ونزل في مكان كذا : حطّ رحله فيه " « 1 » . فهل معنى ذلك أنّ القرآن كان في مكان عالٍ وأنّ الله تعالى أنزله نزولًا مكانيّاً ، كما لو كان عندنا شيء ذو قيمة في مكان عالٍ ثمّ ننزله إلى مكان آخر ؟ الواقع ، لكي نفهم هذه الحقيقة القرآنيّة لابدّ من التمييز بين نحوين من النزول والتنزّل ، استعملهما القرآن ، وكثيراً ما يقع الخلط بينهما ، ويفضي إلى التباسات كبيرة ، هما : الأوّل : النزول على نحو التجافي : هذا النحو من التنزّل لا يمكن تصوّره إلّا في عالم المادّة ، ومن أهمّ خصائصه هو أنّ الشيء إذا كان في أعلى فهو غير موجود في الأسفل ، وبالعكس ، وقد استخدم القرآن الكريم هذا اللّون من النزول في قوله تعالى : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ ( السجدة : 16 ) ، أي ترتفع جنوبهم عن الفراش ، بنحو عندما ينهض هؤلاء لا تبقى جنوبهم في المضجع بل تتجافى عنه وتتباعد . الثاني : النزول على نحو التجلّي : هذا النحو من التنزّل يتميّز بخصوصيّة ، هي أنّ الشيء المتنزّل لا يفقد وجوده في مرتبته السابقة بعد التنزّل ، على العكس من النزول بالنحو الأوّل ، فإنّ الشيء إذا نزل من أعلى لم يبق له وجود في المرتبة التي نزل منها . يمكن تقريب ذلك بمثال من النشاط العلمي للإنسان : فإذا ما كانت عند الإنسان فكرة في ذهنه ، ثمّ عمد إلى كتابتها على الورق ، فإنّ هذه الفكرة تنزّلت

--> ( 1 ) المفردات في غريب القرآن ، تأليف أبي القاسم الحسين بن محمّد المعروف بالراغب الأصفهاني ( 502 ه - ) ، دار المعرفة ، بيروت - لبنان ، تحقيق وضبط : محمّد سيّد كيلاني : ص 488 .