السيد كمال الحيدري
125
دروس في التوحيد
فواجب الوجود عاقل لذاته بذاته ، فعقله لذاته عقل لجميع ما سواه ، وعقله لذاته مقدّم على وجود جميع ما سواه ، فعقله لجميع ما سواه سابق على جميع ما سواه ، فثبت أنّ علمه تعالى بجميع الأشياء حاصل في مرتبة ذاته بذاته قبل وجود ما عداه ، سواء كانت صوراً عقلية قائمة بذاته أو خارجة منفصلة عنها ، فهذا هو العلم الكمالي التفصيلي بوجه ، والإجمالي بوجه ، وذلك لأنّ المعلومات على كثرتها وتفصيلها بحسب المعنى موجودة بوجود واحد بسيط " « 1 » . هذا هو البرهان الأوّل لإثبات علم الواجب بما عداه في مرتبة ذاته قبل الإيجاد ، وقد عُبّر عنه بالعلم الإجمالي في عين الكشف التفصيلي ، وهو مبنيّ على قاعدة بسيط الحقيقة كلّ الأشياء « 2 » . ولا يخفى أنّ علم الواجب بذاته وعلمه بالأشياء قبل إيجادها في مقام ذاته ، هو علم واحد لا علمان ، وبذلك ترجع هاتان المسألتان - علمه تعالى بذاته وبغيره قبل الإيجاد - إلى مسألة واحدة . البرهان الثاني : معطي الشيء لا يمكن أن يكون فاقداً له خلَق الله سبحانه كلَّ شيء اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ( الزمر : 62 ) سواء كان في أصل وجوده ( أي كان التامّة ) أو بالكمال الذي يرتبط بكلّ موجود ( كان الناقصة ) حيث يستطيع كلّ موجود أن يبلغ الكمال الذي هيّأه الله له على وفق قاعدة " كلٌّ ميسّر لما خُلق له " التي ينصّ عليها الحديث النبويّ .
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق ، ج 6 ، ص 269 - 271 . ( 2 ) إلى هذا المعنى أشار العلامة الطباطبائي في هامش له على هذا الموضع من الأسفار ، جاء به : « بيان مبنى على قاعدة بسيط الحقيقة كل الأشياء السابق ذكرها » . الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ، هامش صفحة 270 .