السيد كمال الحيدري

122

دروس في التوحيد

ومَن تبعه في نفي العلم السابق على الإيجاد ، فإذا كان حال هذين الرجلين مع فرط ذكائهما وشدّة براعتهما وكثرة خوضهما في هذا الفنّ هذا الحال ، فكيف حال من دون هؤلاء من أهل الأهواء والبدع وأصحاب الجدل في الكلام والبحث مع الخصام ؟ ولأجل ما ذكرناه من الصعوبة والإشكال أنكر بعض الأقدمين من الفلاسفة علمه تعالى بشيء من الموجودات غير ذاته وصفاته التي هي عين ذاته ، كما أنّ منهم من نفى علمه بشيء أصلًا ؛ بناءً على أنّ العلم عندهم إضافة بين العالم والمعلوم ولا إضافة بين الشيء ونفسه أو صورة زائدة على ذات المعلوم مساوية له فيلزم تعدّد الواجب ، وإذا لم يعلم ذاته لم يعلم غيره ؛ إذ علم الشيء بغيره بعد علمه بذاته ، فقد ضلّوا ضلالًا بعيداً وخسروا خسراناً مبيناً " « 1 » . وقال الشيخ مصباح اليزدي : " هذه المسألة ( علم الواجب ) من أغمض المسائل الحكميّة ، وقد بذل كبار الفلاسفة والمتكلّمين جهوداً وافرة لتبيينها ، وعقدوا مسائل كثيرة في باب العلم تمهيداً لحلّها ، كالعقل الإجمالي ، والعلم الكلّي الحاصل من الأسباب قبل تحقّق مسبّباتها ، وغيرها ممّا ركّز عليه الشيخ في كتبه ، ويكفيك نموذجاً جليّاً لهذه الجهود ما ترى في كتاب التعليقات « 2 » ، حيث عالج هذه المسألة مرّة بعد أخرى ، ممّا يشكّل قسماً من هذا الكتاب . ولهم أقوال عديدة ، ومباحثات طويلة ، ومناقشات عنيفة ، تعرّض لبعضها صدر المتألّهين وتصدّى للمحاكمة بينها ، وقد مهّد نفسه مقدّمات « 3 » لتوضيح ما اختاره من

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 179 . ( 2 ) انظر التعليقات للشيخ الرئيس ، حقّقه وقدّم له د . عبد الرحمن بدوي ، مكتب الإعلام الإسلامي في الحوزة العلمية بقم المقدسة ، 1404 ه - : ص 27 - 29 ، 75 ، 92 - 180 . ( 3 ) انظر الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 149 - 169 .