الشيخ الأميني

207

الغدير

فجعل هشام يغمز مسلمة بقضيب في يده فيقول : اسمع اسمع . ثم استأذنه في مرثية ابنه معاوية فأذن له فيها فأنشده قوله : سأبكيك للدنيا وللدين إنني * رأيت يد المعروف بعدك شلت أدامت عليكم بالسلام تحية * ملائكة الله الكرام وصلت فبكى هشام بكاء شديدا فوثب الحاجب فسكته ، ثم جاء الكميت إلى منزله آمنا فحشدت له المضرية بالهدايا ، وأمر له مسلمة بعشرين ألف درهم ، وأمر له هشام بأربعين ألف درهم ، وكتب إلى خالد بأمانه وأمان أهل بيته وإنه لا سلطان له عليهم . قال : وجمعت له بنو أمية فيما بينها مالا كثيرا ، ولم يجمع من قصيدته تلك يومئذ إلا ما حفظه الناس منها فألف وسئل عنها فقال : ما أحفظ منها شيئا إنما هو كلام ارتجلته . وفي رواية : إنه لما أجاره مسلمة بن هشام وبلغ بذلك هشاما دعا به وقال له : أتجير على أمير المؤمنين بغير أمره ؟ فقال : كلا ولكنني انتظرت سكون غضبه . قال : أحضرنيه الساعة فإنه لا جوار لك . فقال مسلمة للكميت : يا أبا المستهل ؟ إن أمير المؤمنين قد أمرني بإحضارك . قال أتسلمني يا أبا شاكر ؟ قال : كلا ولكني أحتال لك . ثم قال له : إن معاوية بن هشام مات قريبا وقد جزع عليه جزعا شديدا فإذا كان من الليل فاضرب رواقك على قبره وأنا أبعث إليك بنيه يكونون معك في الرواق ، فإذا دعا بك تقدمت عليهم أن يربطوا ثيابهم بثيابك ويقولون : هذا استجار بقبر أبينا ونحن أحق بإجارته . فأصبح هشام على عادته متطلعا من قصره إلى القبر فقال : ما هذا ؟ فقالوا : لعله مستجير بالقبر . فقال : يجار من كان إلا الكميت فإنه لا جوار له . فقيل : فإنه الكميت . فقال : يحضر أعنف إحضار . فلما دعى به ربط الصبيان ثيابهم بثيابه ، فلما نظر هشام إليهم إغرورقت عيناه واستعبر وهم يقولون : يا أمير المؤمنين استجار بقبر أبينا وقد مات وما حظه من الدنيا فاجعله هبة له ولنا ولا تفضحنا في من استجار به . فبكى هشام حتى انتحب ثم أقبل على الكميت فقال له : يا كميت ؟ أنت القائل : وإلا فقولوا غيرها تتعرفوا * نواصيها تروى بنا وهي شزب ( 1 )

--> ( 1 ) تروى : أي ترمى . تشازب القوم على الأمر . أي كان لكل واحد منهم حظ ينتظره يقال : هم متشازبون .