السيد كمال الحيدري

61

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ * فَأزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إلى حِين * فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمات فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ « 1 » . تكرّر ذكر هذه القصّة في القرآن في مواضع متعدّدة ، كسورة الأعراف وسورة طه ، حيث وصفت بدء خلقة الإنسان ، وما جرى هناك من أمر الملائكة بالسجود له ، وسجودهم وإباء إبليس ، وتغريره بآدم وزوجه وخروجهما من الجنّة ، وما قضى الله في ذلك من القضاء . ولست بصدد الوقوف على تفاصيل هذه القصّة القرآنية ، إلّا أنّ الذي ينبغي الوقوف عليه أنّ هناك اتجاهاً في فهم وقائع هذه القصّة بنحو يختلف عن الفهم المتعارف لها . قال الطباطبائي معلِّقاً على هذه القصّة : « والقصّة وإن سيقت مساق القصص الاجتماعية المألوفة بيننا ، وتضمّنت أمراً وامتثالًا وتمرّداً واحتجاجاً وطرداً ورجماً وغير ذلك من الأمور التشريعيّة والمولوية ، غير أنّ البيان السابق على استفادته من الآيات يهدينا إلى كونها تمثيلًا للتكوين ، بمعنى أنّ إبليس على ما كان عليه من الحال لم يقبل الامتثال ، أي الخضوع للحقيقة الإنسانيّة ، فتفرّعت عليه المعصيّة ، ويشعر به قوله تعالى : فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها « 2 » ، فإنّ ظاهره أنّ هذا المقام لا يقبل لذاته التكبّر ، فكان تكبّره فيه خروجه منه وهبوطه إلى ما هو دونه .

--> ( 1 ) البقرة : 34 - 37 . ( 2 ) الأعراف : 13 .