السيد كمال الحيدري

59

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

فالأمر الذي له التأويل سواءً كان حكماً أو قصّةً أو حادثةً يتغيّر بتغيّر التأويل لا محالة ، ولذلك ترى أنّه تعالى في قوله : فَأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللهُ . . . لمّا ذكر اتّباع أهل الزيغ ما ليس بمراد من المتشابه ابتغاءً للفتنة ، ذكر أنّهم بذلك يبتغون تأويله الذي ليس بتأويل له ، وليس إلّا لأنّ التأويل الذي يأخذون به لو كان هو التأويل الحقيقي لكان اتّباعهم للمتشابه اتّباعاً حقّاً غير مذموم ، وتبدّل الأمر الذي يدلّ عليه المحكم وهو المراد من المتشابه إلى المعنى غير المراد الذي فهموه من المتشابه واتّبعوه . فقد تبيّن أنّ تأويل القرآن حقائق خارجية تستند إليه آيات القرآن في معارفها وشرائعها وسائر ما بيّنته بحيث لو فرض تغيّر شيء من تلك الحقائق انقلب ما في الآيات من المضامين » « 1 » . أمّا لماذا بيّنت هذه المعارف والمقاصد بلسان المثل ، فلعلّه يرجع إلى ما ذكره القرآن من أنّها - وهي في أُمّ الكتاب - أعظم ممّا يمكن للناس الوقوف عليها من خلال عقولهم وأفهامهم ، لذا حاولت البيانات القرآنية أن تنزل تلك المعارف منزلة قريبة من أُفق إدراكهم لينالوا ما شاء الله أن ينالوه من تأويل هذا الكتاب العزيز . قال الغزالي : كلّ ما يحتمله فهمك فإنّ القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي لو كنت في النوم مطالعاً بروحك اللّوح المحفوظ لتمثّل لك ، وذلك مناسب يحتاج إلى التعبير .

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 3 ص 52 .