السيد كمال الحيدري

52

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

كثر الحدّ وهكذا . نقطة المعيار في هذه الملاحظة هي الاقتراب من مصدر الكمال سبحانه والابتعاد عنه ، فالشيء عند الله مستقرّاً في خزائنه يكون غير مقدّر بقدر ولا محدود بحدٍّ ، وهو مع ذلك هو ، لكن كلّما تنزّل ازدادت حدوده وقيوده وقلَّ كماله . خلاصة هذه النقطة أنّ للشيء حال تنزّله قدراً به يتعيّن ويتميّز عن غيره . نموذج تطبيقي : القرآن الكريم يعدّ القرآن الكريم أحد أهمّ التطبيقات التي أشار إليها القرآن للأصل المتقدِّم ، قال سبحانه : وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ « 1 » ، فإنّه يدلّ على أنّ القرآن النازل كان عند الله أمراً أعلى وأحكم من أن تناله العقول أو يعرضه التقطّع والتفصّل ، لكنّه تعالى عناية بعباده جعله كتاباً مقروّاً وألبسه لباس العربية لعلّهم يعقلون ما لا سبيل لهم إلى عقله ومعرفته ما دام في أُمّ الكتاب . قال الطباطبائي في ذيل هذه الآيات : « إنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الضمير للكتاب وقرآناً عربيّاً أي مقروّاً باللغة العربية ، ولعلّكم تعقلون غاية الجعل وغرضه . هذا الجعل المذكور يشهد بأنّ القرآن له مرحلة من الكينونة والوجود لا ينالها عقول الناس ، ومن شأن

--> ( 1 ) الزخرف : 2 - 4 .