السيد كمال الحيدري
31
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
كذهن الإنسان مثلًا ، ولذلك المعنى حقيقة ثابتة في الخارج عن العلم ، واللفظ إنّما يدلّ ابتداءً على المعنى الذهني ثمّ تتوسّط ذلك أو تدلّ على الحقيقة الخارجيّة . فالتأويل هو الحقيقة الخارجة ، وأمّا معرفة تفسيره ومعناه فهو معرفة الصورة العلمية ، وهذا هو الذي بيّناه فيما تقدّم أنّ الله إنّما أنزل القرآن ليُعلم ويُفهم ويُفقه ويُتدبّر ويُتفكّر فيه محكمه ومتشابهه ، وإن لم يُعلم تأويله » « 1 » . صاحب المنار يختار هذا القول وهذا ما اختاره محمّد رشيد رضا في تفسير المنار حيث قال : « أثبت - أي ابن تيميّة - أنّه ليس في القرآن كلام لا يُفهم معناه ، وأنّ المتشابه إضافيّ إذا اشتبه فيه الضعيف لا يشتبه فيه الراسخ ، وأنّ التأويل الذي لا يعلمه إلّا الله تعالى هو ما تؤول إليه تلك الآيات في الواقع ، ككيفيّة صفات الله تعالى وكيفيّة عالم الغيب من الجنّة والنار وما فيهما ، فلا يعلم أحدٌ غيره تعالى كيفيّة قدرته وتعلّقها بالإيجاد والإعدام وكيفيّة استوائه على العرش ، مع أنّ العرش مخلوقٌ له وقائم بقدرته ، ولا كيفيّة عذاب أهل النار ولا نعيم أهل الجنّة كما قال تعالى في هؤلاء فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ . . . « 2 » ، فليست نار الآخرة كنار الدُّنيا وإنّما هي شيءٌ آخر ، وليست ثمرات الجنّة ولبنها
--> ( 1 ) ينظر هذا البحث في التفسير الكبير لابن تيمية : ج 2 ص 88 - 114 مع التلخيص والتصرّف بالتقديم والتأخير . ( 2 ) السجدة : 17 .