السيد كمال الحيدري
28
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
فتأويل الكلام هو الحقائق الثابتة في الخارج بما هي عليه من صفاتها وشؤونها وأحوالها ، وتلك الحقائق لا تُعرف على ما هي عليه بمجرّد الكلام والإخبار إلّا أن يكون المستمع قد تصوّرها أو تصوّر بغير كلام وإخبار ، لكن يعرف من صفاتها وأحوالها قدر ما أفهمه المخاطب إمّا بضرب المثل وإمّا بتقريب وإمّا بالقدر المشترك بينها وبين غيرها وإمّا بغير ذلك . وقد جاء اسم التأويل في القرآن في غير موضع وهذا معناه ؛ قال الله تعالى : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ . . . ، فقد أخبر أنّه فصّل الكتاب ، وتفصيله بيانه وتمييزه بحيث لا يشتبه ، ثمّ قال : هَلْ يَنْظُرُونَ أي ينظرون إلّا تأويله يوم يأتِي تأويله ، إلى آخر الآية ، وإنّما ذلك مجيء ما أخبر القرآن بوقوعه من القيامة وأشراطها كالدابّة ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ومجئ ربّك والملك صفّاً صفّاً ، وما في الآخرة من الصحف والموازين والجنّة والنار وأنواع النعيم والعذاب وغير ذلك ، فحينئذ يقولون : قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ . . . « 1 » . وهذا القدر الذي أخبر به القرآن من هذه الأمور لا يعلم وقته وصفته إلّا الله ، فإنّ الله يقول : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُن . . . « 2 » ، ويقول : أعددتُ لعبادي
--> ( 1 ) الأعراف : 52 ، 53 . ( 2 ) السجدة : 17 .