السيد كمال الحيدري

238

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

ثمّ قال تعالى : فَأمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ جَمَعَ بين الزبدين أعني زبد السيل وزبد ما يوقدون عليه وقد كانا متفرّقين في الذِكْر ، لاشتراك الجميع فيما يذكر من الخاصّة ، وهو أنّه يذهب جفاءً . وقد عدل عن ذكر الماء وغيره إلى قوله : وَأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ للدلالة على خاصّة يختصّ بها الحقّ ، وهو أنّ الناس ينتفعون به وهو الغاية المطلوبة لهم . والمعنى : فأمّا الزبد الذي كان يطفو على السيل ويعلوه أو يخرج ممّا يوقدون عليه في النار فيذهب جفاءً ويصير باطلًا متلاشياً ، وأمّا الماء الخالص أو العين الأرضية المصوغة وفيها انتفاع الناس وتمتّعهم في معاشهم فيمكث في الأرض ينتفع به الناس . ثمّ قال : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ وختم به القول ، أي أنّ الأمثال المضروبة للناس في كلامه تعالى يشابه المثل المضروب في هذه الآية ، في أنّها تميّز الحقّ من الباطل وتبيّن للناس ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم . والغاية من ضرب هذا المثل في الآية هو بيان أمور تعدّ من كلّيات المعارف الإلهية ، سواء على مستوى الأمور العينيّة والحقائق الخارجية ، أو على مستوى العلوم والاعتقادات . الحقّ والباطل على مستوى الحقائق الخارجية يشتمل هذا المثل على الأُصول التالية : إنّ الوجود النازل من عنده تعالى على الموجودات الذي هو