السيد كمال الحيدري

236

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

هو في الكتاب المكنون لا يمسّه هناك أحدٌ إلّا المطهّرون من عباد الله وأنّ التنزيل بعده ، وأمّا قبل التنزيل فله موقع في كتاب مكنون عن الأغيار وهو الذي عُبّر عنه في آيات سورة الزخرف بأُمّ الكتاب ، وفي سورة البروج باللوح المحفوظ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ وهذا اللوح إنّما كان محفوظاً لحفظه من ورود التغيّر عليه . ومن المعلوم أنّ القرآن المنزّل تدريجاً لا يخلو من ناسخ ومنسوخ وعن التدريج الذي هو نحوٌ من التبدّل ، فالكتاب المبين الذي هو أصل القرآن وحكمه الخالي عن التفصيل أمرٌ وراء هذا المنزّل ، وإنّما هو بمنزلة اللّباس لذاك الحقّ والباطل . لكن القرآن لم يكتف بذلك دون أن بيّن تلك الحقيقة بما ضربه مثلًا في أمر الحقّ والباطل ، فقال تعالى : أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَة أوْ مَتاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ « 1 » . هذه الآية بيّنت طبيعة الحقّ والباطل ، فوصفت تكوّنهما وكيفيّة ظهورهما والآثار الخاصّة بهما وسنّة الله سبحانه الجارية فيهما ، ولن تجد لسنّة الله تحويلًا ولن تجد لسنّة الله تبديلًا ، وذلك من خلال مثل ضُرِبَ للناس ، والمعنى : أنزل الله سبحانه من السماء - وهي جهة العلوّ - ماءً بالأمطار ، فسالت بالأمطار ، فسالت الأودية الواقعة في محلّ الأمطار المختلفة بالسعة والضيق والكبر والصغر بقدرها ، أي كلٌّ بقدره

--> ( 1 ) الرعد : 17 .