السيد كمال الحيدري
228
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
الفتنة التي تكون بالاقتصار على المتشابهات والتركيز عليها من دون الرجوع إلى المحكمات التي هُنّ أُمّ الكتاب . وقد ذكر بعض المفسّرين أنّها نزلت في نصارى آل نجران الذين كانوا يشنّعون على المسلمين ببعض المتشابهات الواردة في حقّ عيسى عليه السلام ، وأنّ له حالة فوق البشر وأنّه روحٌ منه سبحانه بغرض الفتنة والوصول إلى ما يزعمونه ، إفكاً وكفراً « 1 » . ولو تتبّعنا البدع والأهواء والمذاهب الفاسدة التي انحرفت فيها الفرق الإسلامية عن الحقّ القويم بعد زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله ، سواء كان في المعارف أو في الأحكام ، وجدنا أكثر مواردها من اتّباع المتشابه والتأويل في الآيات بما لا يرتضيه الله سبحانه . « ففرقة تتمسّك من القرآن بآيات التجسيم ، وأُخرى للجبر ، وأُخرى للتفويض ، وأُخرى لعثرة الأنبياء ، وأُخرى للتنزيه المحض بنفي الصفات ، وأُخرى للتشبيه الخالص وزيادة الصفات إلى غير ذلك ، كلّ ذلك للأخذ بالمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم الحاكم فيه . إذا تأمّلت في هذه وأمثالها - وهي لا تُحصى كثرةً - وتدبّرت في قوله تعالى : فَأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ لم تشكّ في صحّة ما ذكرناه . وهذا هو السبب في
--> ( 1 ) تفسير الطبري المسمّى جامع البيان في تأويل القرآن . لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبري ، المتوفّى سنة 310 ه - ، مركز الكتاب العالمي ، القاهرة ، منشورات محمد علي بيضون ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الثانية 1418 ه - : ج 3 ص 177 .