السيد كمال الحيدري
190
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
تأويلات متكلّفة لا ضابط لها ، لا تستند - في كثير من الأحيان - إلى مقدّمات علمية ولا براهين منطقية ، وإنّما هي - بزعم أصحابها - إشارات هبطت عليهم من موضع رفيع وفيوضات انهالت عليهم كشفاً من وراء سُحب الغيب ؟ أم نؤمن بالظاهر وما يحفل به من علوم وأدوات سواءً على مستوى التفسير أو الشريعة ، لكنّها تذهب إلى أنّ هذه المنطقة لا تستنفذ جميع معاني القرآن ولا تستهلك كلّ حقائقه ، بل وراءها شوطٌ آخر يفضي إلى فتح منطقة جديدة في التعامل مع القرآن ، تخضع هي الأُخرى إلى ضوابط محدّدة وتنتظمها مبادئ وأُصول خاصّة ؟ ثمّ إنّها - والأهمّ من ذلك - لا تصير إلى تعميم رؤاها إلى الآخرين إلّا بلغة البرهان والاستدلال المنطقي ، تماماً كما يحصل لأيّ معرفة أُخرى ، إذ لا يملك أيّ رأي حقّ التعميم مهما كانت الدعوى التي تسنده إلّا إذا قامت عليه الحجّة ؟ » « 1 » . اتّفقت كلمة أهل التحقيق أنّ ظاهر الشريعة ليس هو منتهى الإدراك في ذلك ، بل « الحقّ الذي كلّف الخلق اعتقاده له مراتب ودرجات ، وله مبدأ ظاهر وغور باطن ، وجمود الطبع على الظاهر يمنع من الوصول إلى الغور الباطن » « 2 » . من هنا جاء التأكيد في كلماتهم من أنّ الطريق إلى الباطن إنّما يمرّ من خلال إتقان الظاهر وضبطه كوسيلة لبلوغ الباطن ، قال الغزالي : « لا يجوز التهاون بحفظ التفسير الظاهر أوّلًا ، ولا مطمع في الوصول إلى
--> ( 1 ) فهم القرآن ، دراسة على ضوء المدرسة السلوكية : ص 424 . ( 2 ) إحياء علوم الدِّين ، الغزالي : ج 1 ص 284 .