السيد كمال الحيدري
183
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
على هذا سيرجع ما ذكره صدر الدِّين الشيرازي في مقولة الكلام الإلهي إلى الأساس الوجودي ذاته ، ضمن قراءة ملخّصها أنّ الكلام الإلهي هو في بدء صدوره كان طليقاً من التعيّنات ، خلوّاً في ظهوره الأوّل من كلّ القيود لتناسبه ومسانخته مع ذات المتكلِّم البسيطة المطلقة ، لذلك راح يتنزّل عن مرحلة الإطلاق ويحجب بحجب متعدّدة حتّى صار بكسوة الحروف والأصوات . قال الشيرازي : « ولولا أنّه استتر كنه جمال كلامه بكسوة الحروف والألفاظ ، لما ثبت لسماع كلامه عرشٌ ولا فرشٌ ، ولتلاشى ما بينهما من سبحات نوره وعظمة برهانه . فالله لطيفٌ بعباده حيث أنزل إليهم نور كلامه في ليالي الأكوان الطبيعيّة وحُجب الصفات البشرية ، ولولا أن ثبّت الله موسى سلام الله على نبيّنا وعليه ، لما أطاق سماع كلامه ، كما لم يطق الجبل مبادي تجلّيه حيث صار دكّاً دكّاً » « 1 » . والحاصل أنّ القرآن اللفظي الكتبي الذي بين أيدينا هو المرحلة النازلة للكلام الإلهي ، والتنزّل الأخير له من مرحلة الإطلاق إلى مرحلة التقيّد بالتعيّنات اللّفظية والكتبية ، وما دامت ماهيّة الكلام من مرحلة الذروة والإطلاق حتّى مرحلة التقيّد باللّفظ والتعيين بالحروف واحدة ، فستكون جميع مراحل النزول أو التنزّل مطويّة فيه » « 2 » .
--> ( 1 ) مفاتيح الغيب . تأليف : صدر الدِّين محمّد بن إبراهيم الشيرازي ، مع تعليقات للمولى علي النوري ، صحّحه وقدّم له : محمد خواجوي ، مؤسّسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي ، الطبعة الأُولى : ص 58 . ( 2 ) فهم القرآن ، دراسة على ضوء المدرسة السلوكية : ص 410 - 412 .