السيد كمال الحيدري
175
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
ظاهر وباطن وسرّ وعلن ، بل الظاهر والباطن والسرّ والعلن واحدٌ فيه ؟ فاعلم أنّ انقسام هذه العلوم إلى خفيّة وجليّة لا ينكرها ذو بصيرة ، وإنّما ينكرها القاصرون الذين تلقّفوا في أوائل الصبا شيئاً وجمدوا عليه ، فلم يكن لهم ترقٍّ إلى شأو العلاء ومقامات العلماء والأولياء ، وذلك ظاهر من أدلّةالشرع . قال صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم : إنّ للقرآن ظاهراً وباطناً وحدّاً ومطلعاً . وقال علي رضي الله عنه - وأشار إليصدره - : إنّ ههنا علوماً جمّةً لو وجدت لها حَمَلة . وقال صلّى الله عليه وسلّم : ما حدّث أحد قوماً بحديث لم تبلغه عقولهم إلّاكانت فتنةً عليهم . وقال الله تعالى : وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إلّا الْعالِمُونَ « 1 » . وقال صلّيالله عليه ( وآله ) وسلّم : إنّ من العلوم كهيئة العلم المكنون لا يعلمه إلّا العالمون » « 2 » . ثمّ قال : « ومن زعم أن لا معنى للقرآن إلّا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبرٌ عن حدّ نفسه ، وهو مُصيبٌ في الإخبار عن نفسه ، ولكنّه مخطيءٌ في الحكم بردّ الخلق كافّة إلى درجته التي هي حدّه ومحطّه ، بل الأخبار والآثار تدلّ على أنّ في معاني القرآن متّسعاً لأرباب الفهم ، قال عليٌّ رضي الله عنه : « إلّا أن يؤتي الله عبداً فهماً في القرآن » . فإن لم يكن سوى الترجمة المنقولة ، فما ذلك الفهم ؟ وقال عليٌّ كرّم الله وجهه : « لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب » . فما معناه وتفسير ظاهرها في غاية الاقتصار .
--> ( 1 ) العنكبوت : 43 . ( 2 ) إحياء علوم الدِّين . تصنيف الإمام أبي حامد محمّد بن محمّد الغزالي ، المتوفّى سنة 505 ه - ، دار المعرفة ، بيروت ، 1402 ه - : ج 1 ص 99 .