السيد كمال الحيدري

136

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

الرياضة والمجاهدة ، ومقتضى ذلك أن تكون المشاهدة ممكنة والمعرفة لا امتناع لها ولا استحالة فيها . أفيمكن ذلك بواسطة الأدوات المتعارفة عند الإنسان ، أم أنّ مشاهدة تلك الحقائق تحتاج إلى أداة تخصّها ووسيلة مرتبطة بها ، ذلك أنّ الله خلق الإنسان وأعطاه القدرة على مشاهدة عوالم الملك والملكوت ، وخلق لكلّ عالم منها عيناً تناسبه ليشاهده بواسطتها ؟ قال الآملي : « إنّ الله تعالى خلق الإنسان جامعاً للعالمين ، عالم الغيب وعالم الشهادة ، أو الملك والملكوت ، أو الأمر والخلق ، وأعطاه لمشاهدة كلّ عالم عيناً مناسبة لذلك العالم ، فالعين التي هي لمشاهدة عالم الغيب سمّاها بالبصيرة ؛ لقوله : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلَى اللهِ عَلى بَصِيرَة أنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي « 1 » ، والقلب والفؤاد والصدر عبارة عنها لقوله تعالى : فَإنَّها لا تَعْمَى الأبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ « 2 » والعين التي هي لمشاهدة عالم الشهادة سمّاها بالبصر ؛ لقوله : وَاللهُ أخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ « 3 » . فكما أنّ العين التي هي لمشاهدة الشهادة وشأنها الرؤية والمشاهدة ، لم يتمكّن من رؤيتها ومشاهدتها إلّا بعد إزالة الموانع ورفع الحجاب بينها وبين مرئياتها وحصول نور آخر مضافاً إليها كنور

--> ( 1 ) يوسف : 108 . ( 2 ) الحج : 46 . ( 3 ) النحل : 78 .