السيد كمال الحيدري
132
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
إنسان باختياره هو وإرادته أن لا يستجيب لأوامر الله تعالى ، فشاءت إرادة الله تحقيق ما اختاره ذلك الإنسان . ومن ثمّ يتّضح لنا أنّ إرادة الله التكوينيّة التي لا تتخلّف عن المراد ، لاتتنافى مع اختيار الإنسان ، وإن كانت جميع أفعال الإنسان مخلوقة لله تعالى بمقتضى التوحيد الأفعالي ، لكنّها مخلوقة وفق ما يريده الإنسان ويختاره . وهذا المعنى هو الذي ذكره أكثر أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام وعوّلوا عليه في هذا الباب « فإنّه تعالى لمّا خلق الأرواح كلّها قابلة للخير والشرّ إنّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إمّا شاكِراً وَإمّا كَفُوراً « 1 » وقادرة على فعلهما مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أرادَ الآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً « 2 » ، وعلم أنّ بعضها يعود إلى الخير المحض وهو الإيمان ، وبعضها يعود إلى الشرّ المحض وهو الكفر باختيارها ، عاملها هذه المعاملة كالخلق من الطينة الطيّبة أو الخبيثة ، فحيث علم الله من زيد أنّه يختار الخير والإيمان البتّة ولو لم يخلق من طينة طيّبة ، خلقه منها ، ولمّا علم من عمرو أنّه يختار الشرّ والكفر البتّة خلقه من طينة خبيثة ، لطفاً بالأوّل وتسهيلًا عليه وإكراماً له ، لما علم من حسن نيّته وعمله ، وبالعكس في الثاني فَأمّا مَنْ أعْطى وَاتَّقى
--> ( 1 ) الإنسان : 3 . ( 2 ) الإسراء : 18 - 20 .