السيد كمال الحيدري

129

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

سؤالٌ وجواب قد يُقال : لماذا تعلّقت الإرادة التكوينيّة لله تعالى بأن يفيض على بعض عباده أنوار تجلّياته العينيّة وتنفتح عين بصيرتهم بحيث يحصل لهم استعداد الوقوف على تأويل القرآن ، بلا سابق جهد وعمل ، ولا سالف مجاهدة وتهذيب ، وبلا رياضة أو طاعة . أفلا يتنافى ذلك مع القاعدة القرآنية وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلّا ما سَعى « 1 » ؟ وهل ينسجم مع اختيار الإنسان ، ألا يكون ذلك جبراً ، وهو مصادم للمجمع عليه بين أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام من أنّه لا جبر ولا تفويض ولكن أمرٌ بين أمرين « 2 » ؟ ما ينبغي أن يُقال في الجواب عن ذلك إجمالًا ؛ إنّ من بديهيّات العقيدة الإسلاميّة على مستوى البحث العقلي والنقلي هو أنّ الله تعالى عالمٌ بجميع الأشياء ، كلّياتها وجزئيّاتها ، وكلّ تفاصيلها ، لا يغيب عنه تعالى شيءٌ منها ، ولا تخفى عليه خافيةٌ في السماوات ولا في الأرض ، علماً مطلقاً غير متناه ، قبل خلقه لها وإيجادها وبعده . قال تعالى : وَما تَكُونُ فِي شَأْن وَما تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآن وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَل إلّا كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّة فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أكْبَرَ إلّا فِي كِتاب مُبين « 3 » .

--> ( 1 ) النجم : 39 . ( 2 ) يُنظر مصادر هذا الحديث في : التوحيد ، بحوث في مراتبه ومعطياته : ج 2 ص 88 . ( 3 ) يونس : 61 .